نقترب من الذكرى السنوية السادسة لثورة 17 تشرين، الحراك الشعبي الذي اجتاح لبنان قبل ست سنوات، وجعل من ساحة النور في طرابلس أيقونة للشمال وعروسًا للثورة، حتى باتت تُلقّب بـ "ساحة الثورة".
في تلك الأيام، تحوّلت الساحة إلى رمز للمطالبة بالتغيير، ومنصة للشباب الذين رفعوا أصواتهم لتحسين واقع المدينة والبلاد. اليوم، بعد أكثر من نصف عقد، تبدو الساحة مختلفة: أقل زخمًا بشريًا وحراكاً، لكن أثرها لا يزال حاضرًا في ذاكرة المواطنين.
مع اختفاء الحراك الشعبي، اختفت الخيم التي كانت تملأ الساحة، وبقيت العربات والبسطات التي تبيع كل شيء من القهوة إلى الخضار، فأصبح الدور للحياة اليومية وللباعة، بينما ذكريات الثورة ما زالت حاضرة في ذهن المارّة، خصوصًا عند مبنى الغندور المقابل، الذي لا تزال جدرانه تحمل شعارات ورموز الثورة.
الساحة عبر التاريخ
لطالما كانت طرابلس عبر تاريخها، من أكثر المدن اللبنانية تفاعلًا مع القضايا العربية والقومية، ولا سيّما المطلبية منها. وفقًا للعارفين، كانت "المستديرة" الواقعة عند مدخل المدينة الجنوبي تصدح بأناشيد دعاة القومية العربية والوحدة مع سوريا، وبأناشيد الاستقلال في زمن عبد الحميد كرامي، الذي سُمّي باسمه ونُصِب له تمثال في الساحة قبل أن تصبح لاحقًا ساحة النور. أزيل التمثال في زمن الحرب، ووضع على الساحة لاحقًا لفظُ الجلالة.
على مرّ الزمن، شهدت الساحة صدح الأناشيد الإسلامية، وأناشيد الأحزاب وزعماء الحرب، كما كانت مركزًا لاحتجاج أهالي المفقودين في المعتقلات السورية، ومكانًا لاعتصامات أهالي الموقوفين الإسلاميين في السجون اللبنانية منذ العام 2010، خصوصًا خلال جولات العنف بين جبل محسن وباب التبانة.
الساحة مرآة واقع المدينة
التغيير الذي شهدته ساحة النور يعكس واقع المدينة بأكملها: ارتفاع الأسعار، انقطاع الكهرباء، وتراجع فرص العمل جعلت الاهتمام منصبًا على البقاء والاستقرار أكثر من التظاهر والاحتجاج. ومع ذلك، حاولت بعض الجمعيات المحلية وبعض الناشطين استثمار الساحة في فعاليات احتجاجية قصيرة، لأنها لا تزال المكان الأمثل للتجمّع والتعبير بالنسبة للطرابلسيين.
من الجانب العمراني
عادت الساحة اليوم لدورها التقليدي كمحور مرور يومي، حيث تتنقل السيارات والمشاة بين الأزقّة والشوارع، وتطل المحلات التجارية و"الكافيهات" على الميدان. غياب أي مشروع رسمي لتحويل الساحة إلى "معلم حضاري" أو نقطة جذب ثقافي جعلها اليوم مزيجًا بين الحياة اليومية وذكريات الحراك الشعبي.
كل العقود الغابرة تؤكد أن ساحة النور ستبقى رمزًا حيًا لتاريخ طرابلس ونضالها، حيث يختلط صدى التغيير بمواجهة تحديات الحاضر اليومية، شاهدة على صمود أهل المدينة وأن روح المطالبة بالتغيير ما زالت حاضرة رغم كل شيء.