لم يكن الإعلان عن فشل المفاوضات بين سوريا وإسرائيل للتوصّل إلى اتفاق أمنيّ في الجنوب السوري، يمثل إعلانًا رسميًا بنعي الاتفاق وعودة المفاوضين إلى بلادهم، إذ إن المفاوضات استُكملت في الأيام اللاحقة ولكنها وصلت إلى السيناريو نفسه.
وبحسب المعلومات، كان من المتوقع أن يُبصر الاتفاق النور يوم الإثنين الفائت بالتزامن مع الإعلان عن مقترح وقف الحرب في غزة، فالحملة الإعلامية التي سبقت المؤتمر الصحافي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كانت تسلّط الضوء على تغيّر مهمّ في الشرق الأوسط ككلّ وليس فقط في قطاع غزة.
مسألة الممرّ الإنساني إلى السويداء، كانت ولا تزال تشكّل العقدة الأساسية في الحلّ، فالسوريون وافقوا على عدم نشر السلاح الثقيل في أماكن تواجدهم بمحافظتي درعا وما تبقى من القنيطرة، مع بقاء السلاح الثقيل في السويداء واعتبارها منطقة حظر جوي، كما أن انسحاب الجيش الإسرائيلي من النقاط الاستراتيجية التي دخل إليها بعد الثامن من كانون الأوّل طُرح على استحياء ولم يمثل عقدة كالمعبر.
ومع استمرار الحديث عن السويداء، بات واضحًا أن الجيش الإسرائيلي أصبح له رأس جسر في ريف درعا الغربي، حتى أنه اقترب من الريف الأوسط، ما يعزز فكرة أن المعبر الإنساني المطروح قد يُفرض فرضًا في نهاية المطاف من جانب حكومة تل أبيب.
على المقلب الآخر، أصبحت حكومة دمشق في وضع يحتم عليها تحقيق انتصارات ملحوظة تتيح لها بسط سيطرتها على الأرض بعد فشل خطة السيطرة على السويداء، ومع تعقيدات الجغرافيا السورية، يبدو أن حلب وتحديدًا مناطق تواجد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) قد تستضيف المواجهات المقبلة.
ورغم أن "قسد" تسيطر على معظم مناطق الثروات السورية في الشمال الشرقي للبلاد وتحديدًا في الحسكة والمناطق التي تتواجد فيها بدير الزور، غير أن اختيار المواجهة معها في حلب يهدف إلى جعل المواجهة معها محدودة ويفتح المجال أمام فرض شروط دمشق عليها في مناطق قوتها.
فـ "قسد" تسيطر على بعض أحياء حلب ومناطقها، ومواجهتها هناك يعطي حكومة دمشق أفضلية كبيرة نظرًا للجغرافيا التي توجد فيها، كما نُقل عن مقرّبين من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع قولهم: "صحيح أن "قسد" تملك العتاد ولكننا نمتلك الأرضية"، وبالتالي فإن استسلام "قسد" في هذه المناطق قد يمثل ضربة معنويّة لقيادتها في شرق سوريا، وانتصارًا للشرع وحكومته قد يفتح الباب أمام فرض شروطه على الكرد من دون الخوض في مواجهة كبرى بمناطق قوتهم الواقعة في الشمال الشرقي.
وبحسب الاعتقادات، فإن هزيمة "قسد" في حلب قد تضع دمشق في موقف قوي يتيح لها تسلّم محافظة الرقة، وما هو خارج سيطرتها في دير الزور، ليتمّ الانتقال إلى التفاوض حول محافظة الحسكة مع انحسار قوة الكرد، وبالتالي انخفاض سقف مطالبهم.
ولأن مسألة "قسد" مشابهة تمامًا لما أصبحت عليه السويداء أخيرًا، إذ لها محاذير دولية، فإن دمشق قد تجد نفسها أمام مهلة زمنية قصيرة ومحدّدة لحسم الأمر، لعلّ ذلك يفتح كوّة في جدار المفاوضات، ولكن الخطورة تكمن في عجز الحكومة عن الحسم المبكر مِمّا يتيح تدخلًا إقليميًا ودوليًا تتدحرج معه كرة النار. وتحاول "قسد" قلب الطاولة عبر التمدّد إلى مناطق دير الزور غير الخاضعة لها والمناطق الجنوبية على الخط الشرقي، الأمر الذي يؤدّي إلى عزل دمشق عن الحدود المشتركة مع العراق. كما أن هذا السيناريو قد يسبّب تصدّعًا ضمن صفوف قيادة الشرع نفسه، فالحكم الجديد لن يكون قادرًا على امتصاص الغضب من النكسة الثانية بعد الأولى التي وقعت في السويداء.