أمل شموني

الشرع في نيويورك: صورته القديمة تسيطر على "سوريا جديدة"

5 دقائق للقراءة
لم يتمكّن الشرع في نيويورك من إراحة المجتمع الدولي (رويترز)
واشنطن

"نادرًا ما يمنح التاريخ فرصة ثانية كما يفعل مع سوريا ورئيسها أحمد الشرع"، هذا ما تردّد في أروقة الأمم المتحدة وكواليس قاعات الاجتماعات في نيويورك. حاول الشرع وفريقه وحتى الدول الراعية له إبراز صورة لرجل يسعى إلى تأكيد إيجابية التحوّل الكبير في المشهد السياسي السوري. فهو أعلن أن "سوريا تحوّلت من مُصدّر للأزمات إلى فرصة للسلام"، ليعكس تحولًا جيوسياسيًا بأن عهد نظام الأسد قد ولّى إلى غير رجعة، وبأن "سوريا الجديدة" جاهزة للعمل مع المجتمع الدولي كشريك كامل الأوصاف. لكن هذه الحركة التي رافقتها قصص رحلة الشرع الشخصية إلى السلطة، اختصرها كثيرون بجملة Too Good To Be True.

ففي قراءة للمشهد من نيويورك، أشار مصدر أميركي إلى أن الشرع رسم صورته كقائد سوريا ما بعد الديكتاتورية. وكان أحد جوانب كلمته في الأمم المتحدة قد أبرز سعيه إلى بناء مستقبل مختلف لسوريا... لكنه اصطدم بعدم رفع العقوبات، خصوصًا "قانون قيصر". ولفت المصدر إلى أن الشرع جادل في كلمته بأن بقاء هذه العقوبات يعيق انطلاقة بلاده ويفرض معاناةً لا مبرّر لها على الشعب السوري. غير أن المشهد الأميركي لم يكن موازيًا. فواشنطن لا تريد تأطير رفع العقوبات عن سوريا باعتبارها القضية الحاسمة لإعادة الإعمار. والنقاش داخل المشهد السياسي الأميركي حول "ضرورة رفع العقوبات التي كانت موجّهة ضدّ النظام السابق"، يطال إعادة تقييم واسعة ومتأنية لاستراتيجية الشرع في حكم سوريا.

ومع أن الشرع أكد التزامه بالشمولية والتمثيل السياسي لمختلف الأقليات داخل سوريا سعيًا إلى التأسيس على حكم أكثر تعددية، غير أن كبار الدبلوماسيين الأميركيين وقادة الكونغرس لا يزالون قلقين. فتعهداته بحماية العلويين والدروز والكرد والمسيحيين، بالإضافة إلى ضمان المساءلة عن جرائم الماضي، لم تجد طريقها الواضح للتنفيذ وبأفضل الحالات ارتقت إلى أنصاف حلول. في المقابل، استعداده للسعي إلى السلام مع إسرائيل يُظهر تغييرًا ملحوظًا عن موقف سوريا السابق. وما تأكيده أن "سوريا لن تُشكّل أي تهديد لأي دولة، بما في ذلك إسرائيل"، إلّا تعزيز للسردية السورية الجديدة التي تفيد بأن دمشق مستعدّة للتخلّي عن عداواتها التاريخية.

ورغم كلّ ذلك، كانت صورة الشرع في نيويورك ناقصة ولم تمكّنه من إراحة المجتمع الدولي حول تحدّيات المشاركة والتعاون، وبالتالي لم تفتح فصلًا جديدًا في السياسة السورية. وتشير المصادر الدبلوماسية في واشنطن إلى أن سوريا تواجه تحديات لا حصر لها، أبرزها دمج "قوات سوريا الديمقراطية"، وديناميكيات العلاقات الإسرائيلية - السورية، ومخاوف حقوق الإنسان. ورغم سعي الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني إلى تأكيد استعدادهما للتعامل مع هذه الديناميكيات المعقدة، لكن بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الاستفادة من هذا الزخم يحتاج إلى أفعال لتمهيد الطريق للتعاطي مستقبلًا مع سوريا مختلفة.

ورغم أن الشرع لم يتوان عن إعادة صياغة التصورات العالمية عن سوريا، مقدّمًا إيّاها كـ "أرض الفرص" بدلًا من دولة مزقتها الحرب، ومشدّدًا على مواجهة نفوذ "حزب الله" وإيران، والتصدّي لتهريب المخدّرات وتنظيم "داعش"، وإطلاق مشاريع البنية التحتية الأساسية. ومع ذلك، ترى واشنطن أن صدقية ذلك تعتمد بشكل كبير على قدرة الحكومة على معالجة القضايا الداخلية التي برأي المصادر لا يزال من المبكر الحكم على فعاليتها ونجاحها.

يُعد السياق المحيط بمناقشات الشرع في نيويورك بالغ الأهمية. فالاجتماعات المهمّة مع كبار المسؤولين الأميركيين، بمَن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتور جين شاهين، ولقاءات "قمة كونكورديا" و"معهد الشرق الأوسط" إلى جانب الاجتماعات مع العديد من القادة العرب والدوليين، تُبرز جهودًا مُتضافرة لإعادة صقل شخص الشرع واستراتيجياته للقضايا المُلحة. لكنها أيضًا تعكس أجواءً معقدة.

فمِن جهة، تشير المصادر إلى أنه لا يمكن فصل صورة الشرع القديمة عن صورة "سوريا الجديدة". وهو عندما ألقى كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، كان لا يزال اسمه مدرجًا على لائحة عقوبات الأمم المتحدة لقيادته تنظيمًا تابعًا لتنظيم "القاعدة"، رغم احتمال رفعه من اللائحة قريبًا. ومن جهة أخرى، بدت واشنطن، ومع إقرارها بالتغيير السياسي البارز في دمشق، أنها لا تزال متمسّكة بمخاوفها "المشروعة"، بحسب مصدر دبلوماسي، وهي توضح في عدم الإسراع في رفع عقوبات "قانون قيصر" أن ضغطها المستمرّ على دمشق يعكس مخاوف عميقة.

كذلك كان صدى الإشكالات الأمنية التي حصلت خلال الأشهر الأخيرة في سوريا والتي ترقى إلى المجازر ضدّ الدروز والعلويين، يذبذب على دعوة الشرع وفريقه إلى رفع العقوبات. واعتبرت المصادر الأميركية أن لجان التحقيق التي شكّلتها حكومة الشرع تخضع لإشراف وزارة العدل، ما يثير تساؤلات حول استقلاليتها. وأشارت هذه المصادر إلى أن هذه الأحداث الدموية فرملت اندفاعة واشنطن لقبول الشرع من دون مساءلة.

ولفتت المصادر إلى ما ردّده المبعوث الرئاسي إلى سوريا توم برّاك بأن الشرع في الداخل السوري في وضع لا يحسد عليه. فهو أمام معضلة تقول إن فرض المساءلة على الفظائع سيتطلّب منه الانقلاب على بعض رفاقه في السلاح... ولكن إذا لم يكن مستعدًا أو لم يستطع مُحاسبة القتلة، ربّما سيجد صعوبة متزايدة في حشد المستوى المطلوب من الدعم الأميركي الضروري لإبقاء نظامه في السلطة.