أورور كرم

"خطة ترامب"... صفقة العصر لغزة أو الهزيمة الأكبر لإيران؟

4 دقائق للقراءة
تتجاوز خطة ترامب حدود غزة (رويترز)

تبرز خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أنها تتجاوز حدود غزة إلى ما هو أبعد. فصفقة العصر التي طرحها تسعى إلى إنهاء حالة الحرب الدائمة عبر تحويل غزة إلى منطقة منزوعة "التطرّف والإرهاب"، بما يطيح أساسًا بالسردية التي يقوم عليها ما يُعرف بمحور الممانعة. نجاح هذه الخطة لا يعني فقط إنهاء حرب محدودة، بل إعادة صياغة المشهد الجيوسياسي، بحيث تسقط الذريعة التي ترفعها إيران وحلفاؤها منذ عقود: مواجهة إسرائيل كأولوية مطلقة تبرّر كل سلوك آخر.

وبالتالي، فإن إيران التي دفعت أذرعها إلى الحرب الكبرى مع إسرائيل، ولو لم تكن هي نفسها من حدّد ساعة الصفر، بل حدّدها عنها يحيى السنوار في 7 أكتوبر 2023، لم تكن تبحث عن حرب طويلة تُنهك المنطقة، بقدر ما كانت تراهن على صراع قصير الأمد يحقق لها عوائد سياسية واستراتيجية أكبر من حجمه الميداني. الرهان الإيراني، بحسب متابعين، انطلق من فكرة أنّ مواجهة محدودة المدى والتوقيت قد تمنح حلفاءها صورة "الانتصار" في الشارع العربي، وتمنحها هي أوراق ضغط إضافية في المفاوضات الإقليمية والدولية، من دون أن تتحمّل كلفة الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

لكن المشهد انقلب وحسابات الميدان أتت مخالفة لحسابات البيدر. وحرب الممانعة القصيرة بأرباح قصيرة، خرجت عن سيطرة المحور وسرعان ما تحوّلت حربًا وجودية طويلة وكبرى، وقد تتحوّل في الساعات المقبلة إلى "الهزيمة الأكبر" لمحور الممانعة في ما لو أعلنت حركة "حماس" قبولها خطة ترامب، التي أعلنها من البيت الأبيض الإثنين الماضي وإلى جانبه بنيامين نتنياهو.

ومن يتابع ويعلم بمجريات وسياسات المنطقة، يدرك جيّدًا أن قرار "حماس" بات ثانويًا وغير مجدٍ، فهي إذا وافقت على الخطة تخرج نفسها من اللعبتين العسكرية والسياسية وصناعة "اليوم التالي" في غزة وفلسطين، أمّا إذا لم تقبل فستواجه الضربة العسكرية القاضية، ولكن هذه المرّة بإشراف عربي وإسلامي وأممي، كما أظهره الإجماع السائد حول خطة ترامب منذ إعلانها وحتى اليوم. ومن يتابع يدرك تمامًا أن الضربة على قادة "حماس" في الدوحة كانت نقطة تحوّل كبرى، خصوصًا بعد أن أظهرت تل أبيب أنها مستعدّة لخرق كلّ الأعراف والقوانين والمحاظير لإنهاء مَن سبّب عملية 7 أكتوبر وأطلقها.

فما كان غير مقبول من قِبل الدول العربية والإسلامية قبل الضربة على قطر بات اليوم مقبولًا، وما كان متعذرًا التفكير به في مشهدية "اليوم التالي" في غزة، بات اليوم الحل الأنجح والأنسب. ولعلّ تزامن الإعلان عن اتصال - اعتذار بين نتنياهو وأمير قطر مع الإعلان عن الخطة، إضافة إلى إعلان الرئيس ترامب أن أمن قطر من أمن الولايات المتحدة الأميركية، يؤكد أن الصفقة حول غزة أنجزت، وأن لا عودة إلى الوراء في هذا الملف، بل أصبح الحديث عن تنقيح لجنة "اليوم التالي" والأدوار التي ستناط بها، في شرق أوسط خالٍ من "التطرّف والإرهاب".

من هنا، تنزع خطة ترامب عن إيران صفة عرّابة القضية الفلسطينية، وصفة المدافعة عن حقوق المظلومين، وتسقط سرديتها التي بنت عليها لتصدير ثورتها الإسلامية وفتح ساحات المواجهة، ومن ثمّ توحيدها، ظنًا منها أن هذه الاستراتيجية ستبعد المواجهة عن حدودها المعترف بها دوليًا وستشكّل قوّة ردع تحمي نظامها من أي مواجهة في الإقليم، لكن خطة ترامب أسقطت هذه الاستراتيجية وأعادت إيران إلى الداخل الإيراني.

ومع هذا التحوّل، يصبح السؤال الأهم: ماذا لو لم تعد هناك حركات أو ميليشيات في المنطقة توجّهها إيران في وجه إسرائيل؟ عندها ستُجبر طهران، للمرّة الأولى منذ عام 1979، على مواجهة جمهورها الداخلي مباشرة، لتشرح له ماذا جنت من سياساتها التوسعية في الإقليم، وماذا أنتجت له مغامراتها من أعباء اقتصادية وسياسية، فيما تتناوب عليها الكثير من الدول معيدة تفعيل العقوبات "بالجملة" بعد إعادة تفعيل "آلية الزناد"، وفي وقت ينهار فيه الريال الإيراني أمام الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية المستفحلة. فالمعادلة التي لطالما استخدمتها القيادة الإيرانية، "الدفاع عن فلسطين لتبرير التضييق الداخلي"، قد تنهار أمام واقع جديد تسقط فيه أوراق "الممانعة".

إنّ المغامرة التي خاضتها إيران بغية تحقيق أرباح سياسية من حرب قصيرة في غزة قد تبدو خطوة ذكية على المدى القصير، لكنها سرعان ما تبيّن أنها ليست محفوفة بالمخاطر فقط على المدى الطويل، بل انقلبت إلى تصعيد أوسع. وإذا نجحت خطط دولية في نزع الذرائع من يدها، فقد تجد طهران نفسها أمام خسارة مزدوجة: فقدان أوراقها الخارجية واضطرارها إلى مواجهة أسئلة الداخل. وفي عالم التحوّلات السريعة، قد يكون الثمن أكبر بكثير من أي ربح سريع سعت إليه.