كتب عمر حرقوص في موقع The Beiruter المقال الآتي:
شهد الملف النووي الإيراني تحولاً في الأيام القليلة الماضية، مع دخول قرار مجلس الأمن الدولي 2231 مرحلة جديدة بـإعادة تفعيل شاملة لعقوبات الأمم المتحدة على طهران، عبر "آلية الاسترجاع التلقائي" (Snapback)، هذا التفعيل، الذي بدأ رسمياً في 29 سبتمبر 2025، جاء بقرار من الترويكا الأوروبية "بريطانيا وفرنسا وألمانيا"، ليضع نهاية للقيود المرفوعة بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، مُعطِلاً أي أمل بإحياء الاتفاق بصيغته السابقة.
وأكدت دول الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة على شرعية الإجراء وضرورته في ظل استمرار طهران بالتهرب من التزاماتها النووية.
في طهران، يقدم المسؤولين رؤيتهم، معتبرين أن تفعيل آلية "سناب باك"، كان تحت تأثير وضغط كبيرين من الولايات المتحدة على حلفائها الأوروبيين، معتبرين أن هذا التفعيل المبكر، الذي حدث قبل الموعد المفترض لانقضاء بعض القيود، مناورة تهدف إلى استغلال الوضع قبل تولي روسيا الرئاسة الدورية لمجلس الأمن الدولي. وبالتالي، تعتبر إيران جميع الجهود الدبلوماسية والمفاوضات المستقبلية مع أوروبا عديمة القيمة، معتقدة أن أي محادثات لن تؤدي إلا إلى طريق مسدود.
أما بالنسبة إلى الحرب والحديث الإعلامي عن إرسال طائرات أميركية إلى الشرق الأوسط والحديث الإسرائيلي عن إمكانية عودة الحرب، فتعتبرها طهران حملة نفسية إعلامية، على الرغم من أن مصدر عربي من الداخل أكد لموقع "بيروتر" أن مسألة الحرب أمر خاص بالقيادة السياسية التي تعطي القرار للجيش الذي لديه سيناريوهات عدة يأخذ الموافقة من الجانب السياسي على تنفيذ أحدها، وأن لا مفاوضات لا تشمل جميع القضايا المتنازع عليها، وأبرزها المواد النووية المخصبة والصواريخ البالستية التي يجب لطهران أن تتخلى عنها، على حد قوله.
بالتوازي، استدعت طهران سفراءها من عواصم الترويكاللتشاور ووصفت ما يحصل بـ"خطوات غير مسؤولة". فيما استمرت واشنطن بفرض العقوبات لتضيف إليها حزمة إضافية خلال الساعات الأخيرة على شبكات أفراد وشركات ترتبط بالإنتاج الصاروخي والعسكري الإيراني، مع التأكيد على أن الدبلوماسية لا تزال خياراً مفتوحاً شرط قبول طهران بالمحادثات المباشرة.
العقوبات والرد
تشمل العقوبات المعاد فرضها حظر السلاح، وتجديد قيود على التكنولوجيا الحساسة والبرامج الصاروخية، وتجميد أصول وفئات تعامل مالي/طاقوي مرتبطة بجهات إيرانية.
رد طهران على قرار "الترويكا" جاء سريعاً برفض الإجراءات، لتصفها بأنها "لا أساس قانوني لها"، مستدعية سفراءها لدى الدول الأوروبية الثلاث "للمشاورات" فيما هبط الريال لمستويات قياسية وسط القلق من أثر العقوبات، وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك أن الحديث عن إنهاء البرنامج النووي الإيراني هو "وهم محض"، وأن أي إمكانية للحوار مشروطة بالرفع الكامل للعقوبات عن طهران. كما هدد قائد كبير في الحرس الثوري بزيادة مدى الصواريخ إذا لزم الأمر، متحدثاً عن جهوزية طهران العسكرية.
وعلى الرغم من رفض روسيا والصين لتفعيل العقوبات، إلا أن مجلس الأمن صوت على عدم تمديد المهلة، مما مهد الطريق أمام تفعيلها، مع دعوة جميع الأطراف إلى الالتزام وعدم الالتفاف على القرارات الأممية.
موسكو التي لا تريد خسارة أحد أبرز شركائها بمواجتها مع واشنطن، أعلنت عبر سفيرها في الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا عدم الاعتراف بعودة العقوبات الأممية على إيران.وخلال مؤتمر صحفي بمناسبة بدء رئاسة بلاده لمجلس الأمن الدولي لشهر أكتوبر قال إن موسكو لا تعترف بآلية "سناب باك" وكأنها دخلت حيز التنفيذ، مشيراً إلى وجود مشكلة لا يمكن تجاوزها بسهولة، منبهاً من تفاقم التوترات في الشرق الأوسط.
طهران.. تكتيك أميركي وتسريع غير قانوني
في تقييم إيراني داخلي للقرار، يرى المسؤولون أن تفعيل "آلية الزناد" هو بالأساس خطوة مدفوعة ومُعقدة من قبل واشنطن لأسباب "تكتيكية" سياسية داخلية أميركية وخارجية تتعلق بمجلس الأمن الدولي. وفي حديث لموقع "بيروتر" قال مسؤول إيراني إن "الأوروبيين بدأوا بتفعيل هذه الآلية من 28 سبتمبر بضغط أميركي، مستعجلين استخدام آلية الزناد التي تنتهي في 18 أكتوبر، محاولين استباق موعد تسلم روسيا الرئاسة الدورية لمجلس الأمن في الأول من أكتوبر، للاستفادة من فرض الآلية وعقوباتها"، ويشير إلى أن "طهران لا تعترف بهذا الاستخدام مطلقاً، وهي تعتبر أنها دخلت في فصل جديد من إدارة الملف عبر الدبلوماسية الإيرانية"، ويقول إن "أي مفاوضات مستقبلية مع الجانب الأوروبي أصبحت عديمة القيمة".
ويعتبر المسؤول الإيراني أن الأميركيين يفاوضون فقط لإضاعة الوقت أو كما يسميه "اللف والدوران في دائرة مفرغة"، لأن العقوبات وعدم رفع الحظر الأهم بالنسبة لطهران وهو الحظر المفروض على المصارف لا يرتبط بالملف النووي فقط، بل سببه الأساسي "دعم طهران لفصائل المقاومة في المنطقة".
وكما حصل في شهر يونيو الماضي حين هاجمت إسرائيل مواقع في إيران فإن المسؤولين في طهران يثقون من أنه لا يوجد منطق يدعو للقول إن إسرائيل أو الولايات المتحدة الأميركية بصدد مهاجمة مواقع في بلادهم. ويتحدث المسؤول الإيراني عن التأهب بالكامل عسكرياً "لكن ما نسمعه عن الحرب مجرد عمليات نفسية وإعلامية"، مشيرا إلى أن "تفعيل آلية الزناد هدفه خلق جو نفسي باتجاه الترويج لفكرة شبح الحرب، وهو ما لن يحصل".
ولا تزال طهران تعتبر أن تفعيل "آلية الزناد" هدفه "خلق جو نفسي باتجاه الترويج لفكرة شبح الحرب، في حين أن هذه الآلية لا علاقة لها مطلقاً بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولا بالحرب".
في طهران ينتظر المسؤولين في وزارة الخارجية أن تكون الرسائل الأميركية أوضح، وفق تعبيرهم، فهم يطالبون بـ"مفاوضات شاملة" حول جميع الخلافات، شرط أن يقابل أي خطوة تقوم بها طهران "بخطوة إيجابية مماثلة" تبدأ برفع جزء من الحظر، وهنا يقول المصدر الإيراني إن "طهران حالياً تتجنب التصعيد الكبير، وتنتظر اتصالات أخرى غير رسمية من واشنطن".
تمويل الإرهاب
بالتوازي مع التصريحات التي تطلقها طهران لإظهار قوة موقفها، يبدو أن هناك خطوات ليست بالعادية تتخذها لإقناع المجتمع الدولي بأنها تتنازل وفق الآليات التي يطرحها، أفادت المعلومات بأن "مجمع تشخيص مصلحة النظام" وهو هيئة استشارية عليا، تُعدّ واحدة من أهم مؤسسات النظام السياسي الإيراني بعد المرشد الأعلى، وافق مبدئياً، على الانضمام إلى اتفاقية قمع تمويل الإرهاب (CFT)، في خطوة تُقرأ بأنها مسعى تنازلي أمام الضغوط لوقف تمويل ما يسمى بالأذرع الإيرانية في المنطقة مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وحركتي حماس والجهاد، بالإضافة إلى الميليشيات العراقية.
إلى أين؟
تثبيت العقوبات بمظلة أممية وأوروبية يمنح واشنطن وحلفائها مظلة قانونية سياسية بهدف دفع طهران إلى تسليم عدد من الأوراق قبل الجلوس العلني إلى طاولة التفاوض، وخصوصاً ملف الصواريخ البالستية، بينما طهران ترى أن لا جدوى من عقد محادثات نووية ضيقة وهي بطرحها حزمة شاملة بخطوات متبادلة توقف العقوبات الرئيسية وتحديداً على المصارف، وهذا ما يمكنه تأخير التفاوض لمرحلة أخرى يمكنها حينها من إعادة فرض شروطها على واشنطن.
يشير مصدر في واشنطن لـ"بيروتر" إلى أن الظرف الحالي لا يشبه ما كان يحصل في زمن الإدارات الأميركية السابقة، فترامب ومعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مستعجلان لتسجيل "انتصارات" تسبق الانتخابات النصفية الأميركية، والانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، وأي تأخير سيكون بديله خطر الانزلاق إلى الحرب مجدداً بظل ترابط الساحات من طهران إلى صنعاء وبيروت.