الدكتور سايد حرقص

بين الدونكيشوتية والإبليسية: الرهان على غباء الناس سيفشل حتمًا

4 دقائق للقراءة

​من يقرأ رواية دون كيشوت لميغيل دي ثربانتس، لا يستطيع أن يغفل عن ذلك المشهد الأسطوري لرجلٍ نحيل يمتطي حصانًا هزيلاً ويحمل رمحًا قديمًا، منطلقًا في معركة ضد طواحين هواء يظنها أعداءً له. هكذا وُلدت "الدونكيشوتية": معارك نبيلة في ظاهرها، عبثية في حقيقتها، تنتهي غالبًا بخيبة وارتطام بجدار الواقع الصلب.

​في لبنان، يحاول جبران باسيل أن يستعير هذا الدور قبل الانتخابات النيابية، مقدِّمًا نفسه فارسًا يقاتل "تنين" الفساد بشعاراتٍ عالية السقف ووعودٍ برّاقة. أطلّ مرارًا خلال جولاته على اللبنانيين، واعدًا على طريقة إبليس بكسر حلقات الفساد، متناسيًا أنّه لأكثر من عقد من الزمن كان أحد أبرز رموز الهدر والفساد والزبائنية السياسية في لبنان. باسيل اليوم يخوض حروبًا كلامية وهمية، يحاول على طريقة "بونزي" تسويق نفسه عبر إيهام الجمهور بأسلوب إبليسي أنه ضحية مؤامرة كونية ضخمة، فيما الحقيقة أنّه كان شريكًا أساسيًا بل قائدًا لمنظومة الفساد اللبنانية.

في شباط 2006، كان جبران باسيل عرّاب اتفاق "قاعة مار مخايل"، حيث جرت المقايضة الكبرى التي أطلقت يده في مؤسسات الدولة، يسرح ويمرح فيها من دون رقيب ولا حسيب إلى حد أنّ الرئيس السابق ميشال عون قال: "لعيون صهر الجنرال ما تتشكّل حكومة"، وذلك مقابل تغطية سلاح حزب الله. وقد شكّل هذا الاتفاق النواة الصلبة لتحالف المافيا والميليشيا الذي أوصل البلاد إلى الإفلاس والانهيار.

​تولّى باسيل وزارة الطاقة عام 2009، وطرح خطة لتأمين الكهرباء 24/24 بحلول 2015. لكن بعد أكثر من عقد، بقيت البلاد تغرق في الظلام رغم إنفاق مليارات الدولارات على هذا القطاع. فضيحة البواخر التركية مثال صارخ على الهدر وغياب الشفافية. وإلى جانب الكهرباء، جاء مشروع السدود كدليل إضافي على سوء الإدارة: مليارات أُنفقَت، بيئة دُمِّرت، وسدود تحوّلت إلى "برك إسمنتية" بلا جدوى.

​حين أُعلن عن اكتشاف ثروات نفطية في المياه اللبنانية، قدّم باسيل نفسه كصاحب "إنجاز سيادي". لكن المشروع تأخر لسنوات وسط شبهات متكررة حول العقود، وحتى اليوم بقي الملف مجرد دعاية سياسية أكثر منه إنجازًا اقتصاديًا وطنيًا.

​لم يقتصر الهدر على الطاقة، بل وصل إلى وزارة الاتصالات زمن الوزير نقولا صحناوي، ممثل باسيل الأبرز. فقد صُرِفت مئات ملايين الدولارات على مشاريع فاشلة. وظهرت اتهامات بعقود بالتراضي وتوظيفات سياسية وتضخيم للفواتير، ما جعل القطاع نموذجًا آخر للهدر والزبائنية.

​خلال سنوات عهد الرئيس السابق ميشال عون، اتُهم باسيل بالسيطرة على مفاصل الدولة عبر التعيينات والمحسوبيات.

وفي 2020، فنّدت قناة LBC سلسلة من فضائحه في وزارات عدة، أبرزها هدر المال العام واستغلال موقعه في وزارة الخارجية لمصالح حزبية وانتخابية.

​ولعل أكثر اللحظات التي لخصت مأساة-كوميديا باسيل كانت مقابلته مع الصحفية الأميركية هادلي غامبل في مؤتمر دافوس. فقد حاول الدفاع عن نفسه والرد على اتهامات الفساد، لكنه بدا مرتبكًا، عاجزًا عن الإقناع، ما أثار موجة سخرية واسعة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل. كان المشهد نسخة حديثة من دون كيشوت وهو يتهاوى أمام أسئلة الواقع الصعبة.

في تشرين الثاني 2020، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على باسيل بموجب قانون "ماغنيتسكي العالمي"، معتبرة أنه "متورط في ممارسات فساد ممنهجة"، من ضمنها منح عقود حكومية مقابل دعم سياسي واستخدام السلطة لتسهيل مصالح خاصة.

​خطاب باسيل اليوم يثير السخرية حين يتحدث عن النزاهة وكأنّ التاريخ لا يحفظ ملفاته، ويثير الشفقة لأن مشروعه السياسي انهار تحت ثقل تناقضاته. فكما انتهى دون كيشوت محطَّمًا بين مثالية ساذجة وواقع لا يرحم، يجد باسيل نفسه اليوم على هامش الحياة السياسية، عاجزًا عن إعادة إنتاج صورته كبطل مُنقذ إلا في عيون قلة من السُذَّج من أنصاره.

​هكذا يصبح جبران باسيل نموذجًا حيًّا للدونكيشوتية المطعمة بنكهة إبليسية: سياسي فاسد يوهم الناس أنّه يحارب الفساد، فيما يترنّح على صهوة حصان تاريخه الهزيل، يلوّح برمحٍ صدئ في فضاء مليء بالخيبات والفساد، ليكتشف في النهاية أنّه لم يقاتل إلا شبح أوهامه.