إيثان كورين

حكم ساركوزي، وما لم يكشفه عن ليبيا

7 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

كتب إيثان كورين في موقع The Beiruter المقال الآتي:

في 25 سبتمبر، أصدرت محكمة فرنسية حكمًا بسجن الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي خمس سنوات بتهمة التآمر، في قضية مرتبطة بـاتفاق فساد استخدم فيه موظفيه لمحاولة الحصول على أموال لتمويل حملته الانتخابية مقابل تقديم خدمات سياسية لنظام القذافي. ورغم تبرئته من بعض التهم الأخرى، فإن الحكم يعد سابقة شبه نادرة في السياسة الفرنسية الحديثة، واعتبره البعض عقاباً مستحقاً لساركوزي و«تصحيحاً أخلاقياً». لكن نطاق القرار بقي محدوداً، إذ ترك شبكة من الادعاءات الأخطر دون حسم. وهكذا ضاعت فرصة لفهم الروابط، الحقيقية أو المزعومة، بين عدة قضايا متصلة بليبيا، وسقوط معمر القذافي عام 2011، والتحوّل المفاجئ في موقف ساركوزي ضده، والدور المحوري لذلك في سلسلة تطورات متلاحقة ساهمت في رسم ملامح الشرق الأوسط منذ ذلك الحين.

إدانة ساركوزي: انتصار محدود للمساءلة

رفض ساركوزي الحكم واعتبره عاراً على فرنسا، رغم أنّه كان قد أُدين سابقاً في قضايا فساد داخلية. وكان رجل الأعمال الفرنسي-اللبناني زياد تقي الدين قد أعلن عام 2016 أنّه نقل حقائب أموال من القذافي إلى مقرّبين من ساركوزي، لكنه تراجع عن أقواله عام 2020. وقد توفي تقي الدين، الذي كان قد فرّ إلى لبنان ويُحاكم غيابياً، بأزمة قلبية في أحد مستشفيات بيروت قبل يومين فقط من صدور الحكم.

أثار الحكم جدلاً سياسياً واسعاً في فرنسا، إذ تبنّت شخصيات مثل مارين لوبان، زعيمة حزب التجمّع الوطني اليميني المتطرف، اتهامات ساركوزي بوجود «مطاردة سياسية»، علماً أنّ لوبان نفسها أُدينت في مارس الماضي بتهم فساد.

من ضيف القذافي إلى خصمه اللدود

إلى جانب أبعاده الداخلية، لم يتطرق الحكم إلى التحوّل المفاجئ لساركوزي عام 2011، حين انتقل من أبرز حلفاء القذافي الغربيين إلى قائد الحملة الدولية لإسقاطه بعد انطلاق ثورات الربيع العربي في تونس واندلاع الانتفاضات في بنغازي والبيضاء. وفهم ما جرى في 2011 ودوافعه ليس مجرد استعادة للتاريخ، بل هو أساسي لفهم سياسات الشرق الأوسط اليوم، خاصة في غزة. فقد تحولت ليبيا حينها إلى قنبلة إقليمية صامتة مع تدفق السلاح والمقاتلين عبر الحدود، وتزايد حذر القوى الغربية بعد إخفاقها، في حين وجدت إيران مساحة للتوسع في الفراغ. أما غزة، فتبدو نسخة أكثر وضوحاً وصخباً من المشهد ذاته، مع تداعيات تمتد إلى اليمن ولبنان، بينما يطرح القادة الغربيون اليوم حلولاً مطابقة تقريباً لتلك التي فشلت في ليبيا: سلطات انتقالية، رقابة دولية، وآليات غامضة لم تنجح سابقاً.

التحوّل كان لافتاً. فمنذ انتخابه عام 2007، كان ساركوزي من أبرز المدافعين الأوروبيين عن القذافي إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. فبعد هجمات 11 سبتمبر، كانت ليبيا خاضعة لعقوبات أميركية ودولية قاسية منذ أكثر من عقد بسبب تفجير طائرة «بان آم» فوق لوكربي عام 1988 وتفجير طائرة «يو تي إيه» الفرنسية فوق النيجر عام 1989. آنذاك، رأت إدارة جورج بوش الابن في القذافي مصدراً محتملاً للمعلومات حول تنظيم القاعدة، وفي الوقت نفسه نموذجاً يُستخدم لإثبات أنّ غزو العراق قد يدفع بالديمقراطية في الشرق الأوسط.

المدّعون في قضية ساركوزي الحالية أشاروا إلى صلة بين طلبه أموالاً من القذافي خلال توليه وزارة الداخلية بين 2005 و2007، وجهوده للإفراج عن «الممرضات البلغاريات» الخمس والطبيب الفلسطيني الذين اتهمهم القذافي بنقل عدوى الإيدز إلى مئات الأطفال الليبيين وحكم عليهم بالإعدام. زياد تقي الدين نفسه، الذي اتهم لاحقاً ساركوزي بتلقي أموال ليبية، لعب دور الوسيط في قضية الإفراج عنهم. وقد أُطلق سراح الممرضات في يوليو 2007، ونال ساركوزي أرفع وسام بلغاري، قبل أن يتوجّه في اليوم التالي إلى ليبيا للقاء القذافي وبحث صفقات تجارية. وفي وقت لاحق من العام نفسه، استضاف القذافي في قصر الإليزيه خلال زيارة رسمية استمرت خمسة أيام وشهدت مراسم فخمة.

بعد أربع سنوات فقط تغيّر المشهد. فمع اندلاع ثورة تونس، بدا الموقف الفرنسي مرتبكاً ومتردداً، واتُّهمت باريس بالتساهل مع نظام بن علي. كما انتقد كثيرون صمت ساركوزي حيال مظاهرات مصر ضد حسني مبارك. ومع اتساع رقعة الربيع العربي، بدا أنّ باريس تبحث عن فرصة للتموضع في الجانب الصحيح من التاريخ. وجاء خطاب القذافي الشهير «زنقة زنقة» وفرصة بنغازي ليمثلا لحظة حاسمة، إذ تحوّل ساركوزي إلى قائد التحالف الأوروبي لإسقاط القذافي، وساهم في دفع إدارة أوباما المترددة لدعم تدخل «الناتو» في ليبيا عام 2011.

ورغم انزعاج وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من حماسة ساركوزي للهجوم على ليبيا، عادت لاحقاً لتقول بعد لقائها به وبقيادات معارضة ليبية: «لقد كان محقاً». وبموجب قرار لمجلس الأمن يجيز استخدام «كل الوسائل الضرورية» لحماية المدنيين، أمر ساركوزي الطائرات الفرنسية بتنفيذ أولى الضربات على بنغازي قبل أي من قوات الناتو الأخرى، ما منح فرنسا موقع القيادة في العملية. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2011، شنّت الطائرات الفرنسية غارات قرب سرت عطّلت موكب القذافي، فتمكّنت قوات المعارضة من أسره وقتله بعد أن لجأ إلى أنبوب للصرف الصحي.

أما أول اتهامات بتمويل القذافي لحملة ساركوزي، فجاءت على لسان نجله سيف الإسلام عام 2011، في وقت كانت غارات الناتو تستهدف طرابلس. رأى البعض تصريحاته محاولة يائسة لتبرير خيانة الغرب، فيما اعتبرها آخرون تعبيراً عن غضب حقيقي من ازدواجية المعايير. لكن توقيتها ومكانة سيف الإسلام كإصلاحي متعلّم في الغرب جعلا تقييمها معقّداً. ومع ذلك، واصلت الاتهامات ملاحقة ساركوزي لسنوات، خاصة أنّها بدت قابلة للتصديق، وسط شائعات بأن سياسيين أوروبيين آخرين استفادوا بدورهم من أموال القذافي.

ليبيا وتكرار أخطاء الغرب

كان وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس قد حذّر من «توسّع المهمة» قبل تدخل الناتو. وقد أثبتت الأحداث صواب تحذيره، إذ أدى التدخل إلى سقوط القذافي وفوضى وصفها أوباما لاحقاً بأنها «أكبر ندم» في رئاسته. هذه الفوضى مهّدت الطريق لهجوم القاعدة على القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012، الذي قُتل فيه السفير كريس ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين. وقد تحوّل الهجوم إلى مادة للصراع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، وظل يتردد حتى انتخابات 2016، حيث ساهم بشكل غير مباشر في فوز دونالد ترامب على هيلاري كلينتون.

الانهيار الليبي امتد إلى سوريا وفتح الباب أمام تدخلات إيرانية متزايدة في المنطقة، ولا تزال آثاره محسوسة في لبنان واليمن وغيرها. ورغم أنّ ليبيا كانت تُعتبر دولة «هامشية»، فإن ثروتها النفطية الضخمة، وفرص الفساد، وغموض المعلومات، جعلتها مغرية لعدد من القادة الأجانب. لكن الجميع دفع الثمن، وعلى رأسهم الليبيون الذين يعيشون صراعات داخلية منذ أكثر من عقد.

اليوم، تمثل غزة نسخة أعلى صوتاً وأكثر وضوحاً من النمط نفسه: نفوذ إيراني، ارتدادات إقليمية، وحلول غربية مكررة. حتى بعض الوجوه ذاتها عادت للواجهة؛ فتوني بلير، الذي دافع عن القذافي ثم أيّد إسقاطه، طُرح اسمه لقيادة سلطة انتقالية في غزة.

قضية ساركوزي كانت لتشكل فرصة مهمة لفهم ما جرى في ليبيا والربيع العربي عموماً: من فساد وقرارات متسرعة لزعماء غربيين، إلى فشل استخباراتي وخيارات سياسية متقلبة وتداعيات متسلسلة. ومن دون هذه المراجعة، يبقى خطر تكرار الأخطاء قائماً.

النقاشات الجارية اليوم حول مستقبل غزة وسوريا ودور الغرب في الشرق الأوسط، ستظل ناقصة ما لم يُستخلص الدرس من التجربة الليبية. فالتشابه واضح: دوافع مختلطة تحجب السياسات الحقيقية، تدخل بلا تقدير للعواقب، وخبراء يعيدون طرح وصفات فاشلة. غير أنّ الحكم الأخير على ساركوزي لم يقدّم سوى لمحة عن هذه القصة الأكبر.

وفيما تبحث الحكومات الغربية عمّا بعد غزة، يجب أن تبقى ليبيا حاضرة في الأذهان. فهي تقدّم دروساً أساسية: كيف تؤثر شبهات الفساد في القرارات الخارجية؟ كيف تتحوّل التدخلات الإنسانية إلى غطاء لدوافع أخرى؟ وما المسؤولية التي تتحمّلها القوى الغربية عن الفوضى التي تُطلقها تدخلاتها؟ من دون إجابة شاملة، سيبقى خطر تكرار الأخطاء ماثلاً في غزة وما بعدها.