جو رحال

عون… خيار الدولة

3 دقائق للقراءة

في بلد يترنح تحت وطأة الانهيار الاقتصادي، وتنهكه الأزمات الاجتماعية، وتتآكل فيه مؤسسات الدولة، يخرج من يطرح حلولًا سطحية تقوم على التشكيك بموقع الرئاسة وكأنها أصل المشكلة. غير أن الحقيقة أبسط وأوضح: الرئيس جوزاف عون لم يكن يومًا عبئًا على الدولة، بل هو ما تبقى من ركائزها. من يهاجم موقعه إنما يهاجم فكرة الدولة نفسها، ويمنح الفراغ والفوضى فرصة جديدة.


لقد شكّل عون منذ البداية موقفًا استثنائيًا حين أعاد تعريف دور الرئاسة كركيزة للبناء الوطني. فأطلق خطة متكاملة لحصر السلاح بيد الدولة، هي الأولى من نوعها بأربع مراحل، مؤكدًا أن الشرعية لا تُجزأ وأن سيادة لبنان غير قابلة للمساومة. هذه الخطوة لم تكن انقلابًا على الدستور كما يدّعي خصومه، بل تكريسًا له، إذ أن المادة 49 من الدستور تجعل الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة، لا شاهدًا على تفككها.


خارجيًا، نجح عون في إعادة موقع لبنان الطبيعي إلى قلب العالم العربي. فقد أعاد وصل ما انقطع مع السعودية، وعزّز الشراكات مع مصر وقطر والجزائر، مثبتًا أن العزلة لم تكن قدر لبنان بل نتيجة خيارات خاطئة. وبدعم من باريس وواشنطن لمسار تعزيز سيادة الدولة، بات واضحًا أن الرئاسة اليوم ليست مجرد موقع شكلي، بل خط الدفاع الأخير عن استقرار لبنان.


أما داخليًا، فحين أطلق الرئيس خطة الإنقاذ الاقتصادي، كان يعلم أنها ليست وصفة سهلة بل طريقًا مليئًا بالتضحيات. الأرقام صادمة: 70 % من الناتج المحلي تبخر منذ 2019، وأكثر من 60 % من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر وفق البنك الدولي. ومع ذلك، طرح عون إصلاحات جريئة، من إعادة هيكلة القطاع المصرفي إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي. من يهاجم هذه الخيارات من دون أن يقدم بدائل عملية إنما يمارس الخداع السياسي على حساب الناس.


والأهم أن عون أثبت أن رئاسة الجمهورية ليست منصبًا فارغًا بل مسؤولية متقدمة في مواجهة التحديات. هو الرئيس الذي يوازن بين القوى الداخلية ويمنع الانزلاق إلى الفوضى، فيما خصومه يكتفون بإطلاق الشعارات من دون خطة. لقد جسّد بفعل لا بشعار أن فكرة الوطن الجامع أكبر من التجاذبات، وأن حماية المؤسسات أولى من تسجيل النقاط السياسية.


الرئيس جوزاف عون هو آخر خطوط الدفاع عن فكرة لبنان الكيان، لا لبنان الساحة. من يريد رحيله فعليه أن يقدّم بديلًا لرئاسةٍ جامعةٍ تحمي الدولة، لا بديلًا يقوم على الفراغ والفوضى. إن الدفاع عن عون اليوم هو دفاع عن الدولة نفسها، وعن بقاء لبنان في معادلة الاستقرار بدل السقوط في المجهول.