أنطوني سعد

مستقبل حماس بعد الحرب: نهاية الميليشيا وبقاء القيادة

4 دقائق للقراءة

مستقبل حركة حماس بعد الحرب لم يعد كما كان قبلها. فقبول الحركة بخطة السلام الشاملة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشكّل تحوّلاً جذرياً في مسارها السياسي والعسكري. الخطة، التي تقوم على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وتفكيك البنية العسكرية في غزة، فتحت الباب أمام قيام سلطة فلسطينية بديلة في القطاع، على أن تتسلّم الحكم وتستوعب ما تبقى من مؤسسات مدنية، فيما تسلّم حماس سلاحها الثقيل والمتوسط، منهية بذلك وجودها كقوة مسلحة منظمة.

قبول حماس بالخطة لم يأتِ من فراغ. فالحركة واجهت ضغوطاً هائلة بعد الحرب الأخيرة مع خسائر بشرية ودمار واسع، إضافة إلى تراجع الحاضنة الشعبية التي أنهكها الحصار والصراع المستمر. كما تراجع الدعم الإيراني عملياً، سواء لعجز طهران عن التدخل أو لانشغالها بجبهات أخرى. في المقابل، مارست قطر ضغوطاً متزايدة بعد أن شعرت بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كسر كل الخطوط الحمراء، ولم يعد هناك ما يردعه. الدوحة رأت أن استمرار المواجهة سيؤدي إلى كارثة أكبر على الحركة وربما على الاستقرار الإقليمي، فدفعت باتجاه قبول التسوية حفاظاً على ما تبقى من نفوذ حماس السياسي.

في السياق نفسه، نقل مصدر مرتبط بالمخابرات التركية معطيات عن قلق متصاعد في أنقرة من اندفاع نتنياهو نحو مغامرات عسكرية غير محسوبة قد تصل إلى استهداف قيادات حماس على الأراضي التركية. تركيا، المثقلة بأزماتها الداخلية وغير المستعدة لخوض مواجهة مباشرة مع إسرائيل، رأت أن استمرار الحرب في غزة غير مجدٍ ويهدد أمنها القومي، فاختارت الدفع نحو حل سياسي سريع يوقف الاستنزاف ويمنع انفلات الموقف نحو مواجهة إقليمية واسعة.

لكن تفكيك الذراع العسكرية لا يعني نهاية حماس كتيار سياسي. فالجناح الإيراني داخل الحركة، الذي شكّل العمود الفقري لهيمنتها المسلحة في غزة، انهار مع الضربات الأخيرة وفقد نفوذه في القطاع. في المقابل، برز الجناح القطري التركي الذي يضم قادة بارزين في الخارج يتمتعون بعلاقات دولية وقنوات تفاوضية، وهم من تولوا أساساً التوصل إلى اتفاق ترامب. القادة العسكريون الميدانيون قُتلوا أو فقدوا نفوذهم، بينما القادة السياسيون قد يعودون لاحقاً بصيغة جديدة كفاعلين سياسيين أو وسطاء في أي نظام فلسطيني قادم. مصادر أمنية قطرية تؤكد أنه لا يوجد ما يمنع القيادة السياسية القديمة من إعادة التموقع مستقبلاً ضمن الحكومة الفلسطينية إذا توفرت الظروف الداخلية والإقليمية.

على الجانب الآخر، لم تُخفِ السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ارتياحها لهزيمة حماس، إذ سارعت إلى تأكيد فشل النهج المسلح وتقديم نفسها كبديل شرعي قادر على قيادة المشروع الوطني الفلسطيني. هذا المشهد يعكس عملياً انهيار النموذج الإسلامي المقاوم الذي ساد لسنوات في القضية الفلسطينية، ويمهّد لعودة الخط السياسي التقليدي إلى الواجهة.

هذا التحول ستكون له تداعيات إقليمية مهمة. نهاية حماس المسلحة تغيّر موازين القوى في غزة وتفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية أو أي إدارة بديلة. كما يعزز التطور نفوذ قطر وتركيا اللتين احتضنتا قيادة الحركة في الخارج، مقابل تراجع واضح للدور الإيراني الذي فقد أحد أبرز أذرعه في المنطقة. ومن شأن ذلك أيضاً أن يعيد رسم الخريطة السياسية الفلسطينية برمتها ويؤثر على الفصائل الأخرى في الضفة الغربية وعلى الصراع الداخلي حول من يمثل الفلسطينيين في المرحلة المقبلة.

بذلك يمكن القول إن الحرب الحالية أنهت حماس ككيان عسكري منظم وكسلطة أمر واقع في غزة، لكنها لم تنه بالكامل نفوذ قادتها. فهؤلاء، وخصوصاً المرتبطين بالمحور القطري التركي، سيبقون رقماً في أي معادلة فلسطينية مقبلة، وقد يعودون بصيغة سياسية تفاوضية بعدما سلموا سلاحهم وأدركوا حدود القوة العسكرية أمام تغيّر التوازنات الإقليمية والدولية. لكن يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستسمح السلطة الفلسطينية لما تبقى من حماس بأن يحتفظ بأي نفوذ داخل الأراضي المحتلة، أم ستسعى إلى اجتثاث ما تبقى من الحركة وتحويل قادتها إلى مجرد قيادة فخرية في الخارج بلا تأثير فعلي على القرار الفلسطيني الجديد؟