تحلّ الذكرى السنوية الثانية لعملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول 2023 في ظل واقع إقليمي ودولي مضطرب، حيث ما تزال تداعيات الحرب على غزة تلقي بظلالها على المنطقة.
العملية التي هزّت إسرائيل أمنيًا وعسكريًا، وأعادت إلى الواجهة رمزية "المقاومة" المسلحة، تحولت مع الوقت إلى مأساة إنسانية غير مسبوقة، ومنعطف استراتيجي مفصلي في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ومع الضغط الأمريكي المتصاعد من إدارة الرئيس ترامب، وموافقة حركة حماس المبدئية على المسار الذي ترعاه واشنطن لإعادة إعمار غزة ووقف دائم لإطلاق النار، يبرز سؤال المرحلة الحاسم: هل نحن أمام بداية مسار جديد ينهي تدريجيًا مشروع المقاومة المسلحة لصالح تسوية كبرى، أم أمام فصل إضافي ومكلف من مسلسل إعادة إنتاج الأزمات؟
لإدراك أسس خيار العمل المسلح، لا بد من العودة إلى عام 1967. يومها، مُنيت الجيوش العربية بهزيمة مُدوّية. وهنا، بدلًا من أن تقوم الدول العربية بتقييم شفاف لأسباب الهزيمة وإعلان أن حروبها الداخلية، وخاصة في اليمن، هي سبب الهزيمة، أعلن الرئيس عبد الناصر حينها أن الجيوش النظامية عاجزة عن المواجهة، فاتحًا الباب أمام خيار المقاومة المسلحة كطريق وحيد لتحرير القدس. تجسّدت هذه الروح في الوجدان العربي بأغنية أم كلثوم، "أصبح عندي الآن بندقية"، التي حوّلت السلاح إلى رمز للأمل بالنصر بعد النكسة المرّة.
هذا الخيار سرعان ما تحوّل إلى منظومة عمل، ففُرضت "اتفاقية القاهرة" على لبنان عام 1969. هنا بدأت رحلة من تداخل السيادة الوطنية مع مشروع المقاومة، التي انتهت بتحويل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية ودولية، أكثر مما هو جبهة مواجهة. وقد دُفنت أحلام المرحلة الأولى فعليًا في بيروت مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
بعد عقد من تلك البداية، انتقلت راية المقاومة لتكتسب صبغة إسلامية، مدعومة من الجمهورية الإسلامية في إيران. تحوّل السلاح من "أمل النصر" إلى "مقدّس" وتطوّرت "جبهة التصدي والصمود" لتصبح "محور الممانعة".
في 2023، جاءت عملية 7 تشرين الأول لتعيد المشهد إلى مربع الصدام العسكري الأقصى. شكلت العملية ضربة موجعة للكيان الإسرائيلي، لكنها في المقابل فجّرت حربًا شعواء على قطاع غزة، دمّرت الحجر والبشر، وأدخلت الفلسطينيين في واحدة من أقسى المحن الإنسانية في تاريخهم الحديث.
في تشرين الأول 2025، تتجه المنطقة نحو ترتيبات ما بعد الحرب تحت الرعاية الأمريكية المباشرة. تُعَدّ موافقة حماس المبدئية على مبادرة الرئيس دونالد ترامب، التي تتضمن وقف العمليات العسكرية، والإفراج عن الأسرى، وإعادة الإعمار تحت إشراف دولي، ونزع السلاح، بمثابة قبول بالواقع الجديد الذي فرضته الحرب.
لا يمكن فصل هذا التطور عن الساحة اللبنانية. إن وجود حزب الله المسلح ما زال يكرِّس واقعًا سياسيًا وأمنيًا هشًا. التطورات في غزة ستضع حزب الله أمام السؤال ذاته: هل يظل متمسكًا بسلاحه كخيار لا بديل عنه، أم سيجرّ لبنان إلى حرب مدمرة قد تنتهي بوضع يشبه غزة؟
على المستوى العسكري، أثبتت كل أشكال المقاومة قدرتها على إرباك الكيان الإسرائيلي. لكنها لم تَرُقَ إلى مستوى هزيمة إسرائيل الشاملة. أما على المستوى السياسي، فلم تنجح أي من الإنجازات العسكرية في أن تُتَرْجَم إلى نصر سياسي مستدام. وعلى المستوى الإنساني، دفعت الشعوب، وخصوصًا الفلسطينيون واللبنانيون، أثمانًا باهظة من الدم والدمار والتهجير. وبين هذه النتائج، بقيت القضية الفلسطينية أسيرة مشاريع مؤجلة، وتسويات ناقصة، وصفقات بيع وشراء لم تُؤَدِّ إلا إلى مزيد من الخراب والمآسي.
في الذكرى الثانية لعملية "طوفان الأقصى"، يقف العالم العربي والإسلامي أمام مفترق طرق حقيقي. خيار البندقية، الذي انطلق من هزيمة 1967، يواجه اليوم سؤال الاستمرار أو الأفول لصالح خيارات أخرى. فهل يتحوّل السلاح إلى جزء من تسوية دولية شاملة؟، أم يُصِرُّ على الاستمرار في الطريق المرسوم مهما بلغت التضحيات؟
السؤال اليوم أكبر من غزة ولبنان، وأعمق من فصائل وأحزاب. إنه سؤال مشروع استراتيجي بعد أن أثبتت كل الأحداث على مر عقود أن نظرية الكفاح المسلح غير قادرة على تحرير القدس، فهل آن الأوان للتفكير بخيارات أخرى لإعادة الدولة الفلسطينية إلى ربوع الجغرافيا والتاريخ؟