في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة اليوم، وفي مرحلة يكتسب فيها كل مواطن لبناني القدرة على تحديد مستقبله وفق رؤيته، تُشكّل الانتخابات النيابية المقبلة محطة حاسمة لتفعيل هذا الحق. فالانتخابات الأخيرة لم تكن سوى انعكاس لوضع إقليمي وجيوسياسي مختلف، حيث كان النظام السوري لا يزال قائمًا، ولم تندلع بعد تداعيات حرب الإسناد وما خلّفته من آثار على لبنان والمنطقة.
ويبرز الجدل اليوم بحدة حول قانون الانتخابات، وبالأخص في ملف اقتراع اللبنانيين المقيمين في الخارج. فهناك فريق سياسي يدافع عن بقاء الصيغة الحالية، التي نصّت في مادتها 112 على تخصيص ستة مقاعد نيابية فقط للمغتربين، بينما يطالب فريق آخر بإعادة النظر في هذه المادة لتطبيق ما كان معمولًا به في انتخابات عامي 2018 و2022، أي السماح للمغتربين بالاقتراع في الدائرة التي ينتمون إليها في لبنان، وكأنهم موجودون فعليًا في الداخل.
وإن كان هذا الخلاف يبدو في ظاهره مسألة قانونية وتشريعية، فإن جوهره يكشف عن انقسام سياسي عميق بين القوى اللبنانية، يمثل صراعًا بين مشروعين متناقضين، لا يُريد أي طرف منهما التنازل للآخر، لا سيما في ظل التوازنات الدقيقة بين القوى المختلفة داخل البلاد.
لبنان يعيش اليوم خطر التمديد للمجلس النيابي نتيجة استمرار عدم التوافق على قانون الانتخابات، مما يهدد إجراء الاستحقاق النيابي في موعده الدستوري.. لذلك، سنعرج سريعًا على تاريخ التمديدات التي حصلت للمجلس النيابي اللبناني، موضحين مدة كل تمديد، وأبرز الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ هذه القرارات، وذلك لفهم السياق السياسي والتشريعي الذي انعكست فيه هذه التمديدات على الحياة الديمقراطية في البلاد.
تاريخ التمديد للمجلس النيابي اللبناني:
في 13 نيسان 1975، ومع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، أصبح لبنان عاجزًا عن قيام انتخابات نيابية في مختلف المناطق اللبنانية، لذلك لجأ المجلس حينها للتمديد لنفسه، من بداية الحرب حتى نهايتها مع اتفاق الطائف 1990.
سنفصل فيما بعد هذا التمديد الطويل في ظلّ الحرب الأهلية الى ثماني تمديدات:
التمديد الأول للمجلس النيابي اللبناني حصل في 13 آذار 1976 حين صدر القانون رقم 1/76 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 30 حزيران 1978 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة سنتين وشهرين.
التمديد الثاني للمجلس النيابي اللبناني حصل في 20 شباط 1978 حين صدر القانون رقم 3/78 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 30 حزيران 1980 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة سنتين.
التمديد الثالث للمجلس النيابي اللبناني حصل في 2 حزيران 1980 حين صدر القانون رقم 14/80 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 30 حزيران 1983 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة ثلاث سنوات.
التمديد الرابع للمجلس النيابي اللبناني حصل في 21 أيار 1983 حين صدر القانون رقم 9/83 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 31 كانون الأول 1984 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة سنة وستة أشهر.
التمديد الخامس للمجلس النيابي اللبناني حصل في 22 حزيران 1984 حين صدر القانون رقم 3/84 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 31 كانون الأول 1986 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة سنتين.
التمديد السادس للمجلس النيابي اللبناني حصل في 11 شباط 1986 حين صدر القانون رقم 11/86 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 31 كانون الأول 1988 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة سنتين.
التمديد السابع للمجلس النيابي اللبناني حصل في 22 كانون الأول 1987 حين صدر القانون رقم 52/87 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 31 كانون الأول 1990 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة سنتين.
التمديد الثامن للمجلس النيابي اللبناني حصل في 7 كانون الأول 1989 حين صدر القانون رقم 1/89 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 31 كانون الأول 1994 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة أربع سنوات. ولاحقاً تم اختصار هذه الولاية وجرت الانتخابات النيابية للمرة الأولى بعد انتهاء الحرب، وانتهت الولاية الممددة في 15 تشرين الأول 1992، أي كانت فترة التمديد لسنة وستة أشهر ونصف الشهر.
التمديد التاسع للمجلس النيابي اللبناني حصل في 28 نيسان 2005 حين صدر القانون رقم 676 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 20 حزيران 2005 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة عشرين يوماً، وذلك على أثر اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في 14 شباط 2005 ودخول البلاد مرحلة من عدم الاستقرار، بعدما كان قانون الانتخابات رقم 171/2000 تاريخ 6 كانون الثاني 2000 جعل مدة ولاية المجلس أربع سنوات وثمانية أشهر تنتهي في 31 أيار 2005.
التمديد الحادي عشر للمجلس النيابي اللبناني حصل في 31 أيار 2013 حين صدر القانون رقم 245 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 20 تشرين الثاني 2014 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة سنة وخمسة أشهر (سبعة عشر شهراً). وجاء هذا التمديد نتيجة الخلافات السياسية الحادة وتعذر التوافق على قانون جديد للانتخابات، إضافةً إلى الأوضاع الأمنية غير المستقرة التي كانت تمر بها البلاد في تلك الفترة، ما حال دون إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري.
التمديد العاشر للمجلس النيابي اللبناني حصل في 5 تشرين الثاني 2014 حين صدر القانون رقم 326 القاضي بتمديد ولاية مجلس النواب حتى 20 حزيران 2017 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته، أي لمدة سنتين وسبعة أشهر تقريباً. وجاء هذا التمديد في ظل استمرار الشغور في موقع رئاسة الجمهورية، وتعذر إجراء الانتخابات النيابية في موعدها نتيجة الانقسام السياسي الحاد والتوترات الأمنية في البلاد، ما دفع المجلس إلى الإبقاء على نفسه لحين تهيؤ الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات.
في الختام، تظل الانتخابات النيابية المنتظمة وأطرها القانونية الضامن الأساسي لعمل الديمقراطية وحماية حقوق المواطنين. فالتمديد المتكرر لمجلس النواب، مهما كانت مبرراته السياسية أو الأمنية، يشكّل تهديدًا لهذه العملية، إذ يؤخر تجديد المؤسسات ويقلل من تمثيل الشعب بشكل حقيقي. إن احترام الدستور ومواعيد الانتخابات ليس خيارًا بل ضرورة لضمان مشاركة المواطنين في تقرير مستقبلهم، وللحفاظ على توازن القوى السياسية ومنع استحواذ أي طرف على السلطة لفترة أطول من اللازم. فالالتزام بالديمقراطية وتجديد الشرعية النيابية يمثلان السبيل الوحيد لتقوية المؤسسات وتعزيز الثقة بين المواطنين والدولة، وضمان استمرار لبنان في مسار الدولة المدنية المستقرة.