في المفهوم الليبرالي الكلاسيكي للديمقراطية، تعتبر الانتخابات الدورية بمثابة "الأكسجين" الذي يغذي جسد الجمهورية، إذ إن مبدأ التداول الدوري على السلطة ليس مجرد آلية تقنية، بل هو جوهر العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. وبناءً على هذا المنطلق، فإن تفويض الوكالة النيابية يظل محدداً بزمن لا يجوز تمديده أو تجاوزه إلا في حالات الضرورة القصوى التي تهدد كيان الدولة نفسه.
وفي الأنظمة الديمقراطية العريقة، يُنظر إلى تمديد ولاية البرلمان كخطيئة دستورية كبرى، والاستثناء الحصري جداً لا يُبرره سوى مفهوم القوة القاهرة أو الظروف الاستثنائية التي تجعل إجراء الانتخابات مستحيلاً مادياً وعملياً. ولكن، بمجرد زوال هذه الأسباب القاتمة، يقتضي الواجب الدستوري والأخلاقي فوراً العودة إلى الشعب، مصدر كل السلطات، عبر الدعوة الفورية لإجراء انتخابات نيابية، لأن بقاء السلطة في يد مجلس ممدد له بعد زوال ظروف التمديد هو اغتصاب صريح للإرادة الشعبية، وتحويل للوكالة المؤقتة إلى ملكية خاصة.
إن تتبع التاريخ الدستوري المقارن يظهر بوضوح أن تقريب موعد الانتخابات بعد فترات تمديد أو أزمات وطنية كبرى هو السلوك الطبيعي للدول التي تحترم دساتيرها وتعلي من شأن سيادة القانون. وإذا نظرنا إلى التاريخ اللبناني، نجد أن البلاد عاشت أطول فترة تمديد للمجلس النيابي الذي انتخب عام ١٩٧٢ بسبب الحرب الأهلية والقوة القاهرة الاستثنائية، حيث امتدت ولايته لعشرين عاماً عبر تمديدات متتالية، ولكن بمجرد إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف واستقرار الوضع الأمني نسبياً، كان التوجه الفوري هو إنهاء الحالة الاستثنائية، فجرت انتخابات عام ١٩٩٢ لإعادة إنتاج السلطة وتطبيق الطائف، مما يثبت أن التمديد ينتهي فوراً مع بدء التعافي الأمني.
وفي التجربة البريطانية، ممدد البرلمان لنفسه سنوياً خلال الحرب العالمية الثانية بسبب استحالة إجراء انتخابات تحت القصف النازي، وبمجرد انتهاء الحرب في أوروبا في أيار ١٩٤٥، لم تنتظر القوى السياسية، بل جرى تقريب موعد الانتخابات فوراً ودُعي إليها في تموز من العام نفسه، لتطيح صناديق الاقتراع بحكومة الحرب برئاسة ونستون تشرشل لصالح حزب العمال، تأكيداً على أن شرعية الصناديق تعلو فوق أمجاد الحروب.
كذلك الأمر في فرنسا، فبعد تحريرها وإلغاء مفاعيل نظام فيشي الذي علّق الحياة الديمقراطية، سارعت الحكومة المؤقتة بقيادة شارل ديغول إلى تنظيم انتخابات تشريعية واستفتاء دستوري في تشرين الأول ١٩٤٥ لإعادة الشرعية للمؤسسات، رافضةً استمرار الوضع الاستثنائي ليوم واحد بعد التحرير.
ولم تقتصر هذه التجارب على فترات الحروب الكبرى، بل إن التجربة الألمانية الدستورية تعتمد تقريب الانتخابات كأداة لحل الأزمات المستعصية، كما حدث في عام ٢٠٠٥ حين تعمد المستشار غيرهارد شرودر خسارة تصويت الثقة في البوندستاغ لتقريب موعد الانتخابات باثني عشر شهراً قبل موعدها الأصلي، بغية الحصول على تفويض شعبي جديد لبرامجه الإصلاحية.
وفي إيطاليا عام ١٩٩٤، وإثر فضائح الفساد الكبرى التي هزت الطبقة السياسية والمعروفة بالأيادي النظيفة، شعر البرلمان المنتخب بفقده للمشروعية الأخلاقية، فجرى تقريب موعد الانتخابات وحل البرلمان لإعادة تشكيل الخارطة السياسية بالكامل وإنتاج ما عُرف بالجمهورية الثانية.
هذه النماذج التاريخية تقودنا مباشرة إلى تشريح المقاربة القانونية والدستورية للاقتراح المنوي تقديمه من القوات اللبنانية، حيث يبدو الاقتراح مستنداً إلى أساس قانوني صلب بالنظر إلى الصلاحية المطلقة التي يمتلكها مجلس النواب في تعديل القوانين النافذة وتقريب المواعيد عبر قانون دستوري أو نظامي خاص.
وإذا تعمقنا في اجتهادات المحاكم العليا، نجد أن المجلس الدستوري اللبناني أكد في قراراته الشهيرة المتعلقة بالطعون ضد التمديد، لا سيما القرارين الصادرين في عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤، على مبادئ صارمة تعتبر دورية الانتخابات مبدأً ذو قيمة دستورية لا يجوز المس به إلا لضرورة قصوى، رابطاً التمديد بالفراغ المطلق كشر لا بد منه، مما يعني قانوناً أن تقريب الموعد هو أداة متوافقة تماماً مع روح الدستور لإعادة الأمور إلى أصلها.
ويتناغم هذا التوجه مع اجتهادات المجلس الدستوري الفرنسي الذي يؤكد في قراراته المتواترة أن تقصير ولاية المجالس التمثيلية أو تقريب مواعيد الانتخابات لا يخالف الدستور مطلقاً، بشرط ألا يكون الهدف منه حرمان المواطنين من ممارسة حقهم في الاختيار، بل يرى المجلس الفرنسي أن العودة المبكرة إلى الهيئة الناخبة تعزز السيادة الوطنية وتصون هيبة المؤسسات.
ولكن، عند الانتقال من برج القانون العاجي إلى أرض الواقع السياسي اللبناني المأزوم، يكتسب الاقتراح أبعاداً مغايرة تماماً تضعنا أمام التساؤل الجوهري حول مدى جديته وملائمته في الظروف السياسية والأمنية الحالية. إن القوى السياسية التي ترفض هذا الاقتراح وتتمسك بالتمديد أو تفضله كأمر واقع، تنطلق في واقع الأمر من حسابات غريزية للمحافظة على النفوذ والمكتسبات؛ إذ يرى محور الممانعة بقيادة حزب الله وحلفائه في أي انتخابات مبكرة محاولة لزعزعة التوازنات الحالية وسط ظروف إقليمية معقدة وضغوط عسكرية متزايدة على الجبهة الجنوبية، معتبرين أن الاستقرار الحالي للمجلس النيابي يؤمن شبكة أمان سياسية وتشريعية لا يجوز التفريط بها، بينما تخشى القوى السياسية التقليدية والوسطية من تآكل قواعدها الشعبية نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة وفقدانها للقدرة على تقديم الخدمات والزبائنية السياسية، مما يجعل الانتخابات المبكرة بالنسبة لهم مغامرة غير مضمونة النتائج قد تكلفهم مقاعد حيوية. وفي المقابل، فإن طرح القوات اللبنانية للاقتراح لا يخلو بدوره من الحسابات السياسية الذكية، حيث يسعى إلى إحراج الخصوم وإظهارهم بمظهر الخائف من صناديق الاقتراع والهارب من المحاسبة الشعبية، معتمداً على جهوزية ماكينته الانتخابية وتماسك قاعدته لتعزيز حجم كتلته النيابية.
هذا التشابك في المصالح يضعنا أمام بورصة واضحة للخسارة والربح، حيث يتصدر نواب التغيير والقوى المنبثقة عن ثورة تشرين قائمة المتضررين من أي انتخابات مبكرة في الوقت الراهن، ويعود ذلك أساساً إلى حالة التشرذم الداخلي والانقسامات الحادة التي تعاني منها الحالة التغييرية وغياب الرؤية الموحدة التي أفقدتها الزخم الشعبي، وتغلغل الأحزاب الى عمق بعض النواب لا سيما الذين يغازلون محور الممانعة، فضلاً عن حالة الإحباط التي تتملك ناخبيهم وغياب التمويل والتنظيم الدائم الذي تمتلكه الأحزاب العقائدية، مما يجعل الانتخابات المبكرة بمثابة رصاصة الرحمة على العديد من مقاعدهم لصالح القوى التقليدية.
وينطبق هذا الضرر أيضاً على النواب المستقلين والأحزاب التي تعاني من انشقاقات داخلية، في حين تبدو الأحزاب ذات القواعد الصلبة والجاهزية الدائمة هي المستفيد الأكبر من عنصر المفاجأة وضيق الوقت.
وحين نعود إلى نصوص رجالات الدولة الكبار في لبنان لاستلهام الرؤية الوطنية الصافية، نجد أن ميشال شيحا، الأب الروحي للدستور اللبناني، كان يرى في البرلمان مرآة الروح اللبنانية، محذراً من أي خطوة تعطل هذه المرآة أو تجعلها زجاجاً عاتماً لا يعكس حقيقة الشعب، ومؤكداً أن استقرار لبنان معلق بخيط رفيع هو احترام المواعيد والمؤسسات. وفي السياق ذاته، كان عمدة الدبلوماسية ورجل القانون الرصين فؤاد بطرس حاسماً في مذكراته ومواقفه، حيث اعتبر أن التمديد يضرب مشروعية السلطة في مقتل ويحول النظام من نظام برلـماني ديمقراطي إلى نظام أوليغارشي مغلق، مشدداً على أن اللجوء إلى التمديد دون مبررات قاطعة هو تقويض لهيبة الدولة وتشجيع على التحلل القانوني.
بناءً على هذه القراءات المتكاملة، يصبح من الضروري التشديد في الختام على أن الخطورة الكبرى في لبنان لا تكمن فقط في التمديد بحد ذاته، بل في تحول هذا التدبير الاستثنائي، بفعل التكرار والقبول السياسي، إلى عُرف دستوري موازٍ للدستور المكتوب، فإذا ارتضينا أن يصبح التمديد أمراً عادياً تحت حجج الظروف الأمنية أو السياسية، فإننا نفتح الباب واسعاً أمام سلطة تمدد لنفسها إلى ما لا نهاية كلما شعرت أن مزاج الشارع ليس في صالحها.
وهنا يحذر المفكر الفرنسي الكبير مونتسكيو في كتابه روح القوانين قائلاً إن فساد كل حكومة يبدأ دائماً تقريباً بفساد مبادئها، وعندما تفسد مبادئ الدستور ويصبح الاستثناء هو القاعدة، تسقط الديمقراطية وتتحول إلى طغيان مقنع. إن اقتراح القانون بتقريب موعد الانتخابات، بغض النظر عن الحسابات السياسية الكامنة وراءه أو مدى واقعية تطبيقه في ظل البركان الأمني الحالي، يظل صرخة قانونية ضرورية لكسر حلقة التمديد المفرغة، وتذكيراً حاسماً بأن عزة الأمم واستقرارها لا يقومان على تأجيل الاستحقاقات خوفاً من النتائج، بل على شجاعة الاحتكام لسيادة الشعب، وإلا فإن البديل لن يكون سوى دكتاتورية مقنعة بثوب برلماني مهترئ.