مرّت ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر هذا العام مرور الكرام، ما عدا خطاب للرئيس نبيه برّي مليء بالعصبيّة الطائفية واللغة التخوينية، وهو أبعد ما يكون عن ضرورات هذه المرحلة المصيرية، وعن الدور المرجو من المؤتمن على ذاك الإرث التاريخي الكبير. لكن حدثًا آخر طبع تلك الذكرى أيضًا، وهو عرض قناة الـ BBC البريطانية تقريرًا استقصائيًا عن "لغز" اختفاء الإمام. وفي هذا التقرير، دروس كثيرة ليس بالمعنى الأرشيفي للكلمة، بل للواقع الحالي: "الثنائي الشيعي" يبني كامل سرديّته على أوهام كاذبة، ويمسك بما يسمّى البيئة بقبضة بروباغاندا محكمة، ويسخّر جزءًا من القضاء اللبناني لخدمة مصالحه الحزبية الضيقة (بالإذن من "استقلالية القضاء"). كما إنه يعمل جاهدًا على عدم كشف مصير الإمام، وإبقاء "ورقته" مفتوحة للاستخدام السياسي، استخدام يتناقض تمامًا مع مسيرة الصدر، بلّ إنه (بوقاحة غير مسبوقة) يريد ذكرى الصدر عنوانًا لنصرة من أخفوه. وقائع هذا التقرير تطرح أيضًا الكثير من علامات الاستفهام حول النقاش الجاري بخصوص "خرق" احتكار "الثنائي" للنواب الشيعة، والتحضيرات المرتقبة للانتخابات المقبلة.
ترافق التقرير مجموعة من الصحافيين الاستقصائيين في رحلة البحث عن مصير الإمام الصدر في ليبيا. على رأس هذه المجموعة صحافي لبناني-سويدي يدعى قاسم حمادة. وجد حمادة في إحدى جولاته في العاصمة الليبية طرابلس جثّة تعود إلى ثمانينات القرن المنصرم ويعتقد بأنها تعود للإمام، فأخذ لها صورة. توجّه من بعدها إلى جامعة برادفورد في بريطانيا، حيث طوّر باحثون تقنيّة التعرّف العميق على الوجه (deep face recognition)، وهي تقنيّة باتت معتمدة في التحقيقات الجنائية حول العالم. قارن الباحثون صورًا للإمام الصدر بصور الجثة، فوجدوا أن نسبة التطابق عالية جدًا. الأهم أن حمادة حصل على خصلة شعر من الجثّة، يمكن استخدامها لإجراء فحص الحمض النووي (DNA)، لإثبات بما لا يقبل الشك أن الجثة تعود حقًا إلى الإمام الصدر. وهو ما سنعود إليه بعد قليل.
يجري حمادة في تقريره مقابلتين مفصليتين، تساهمان مساهمة استثنائية في فهم الظروف التفصيلية المحيطة بإخفاء الإمام على يد معمّر القذافي. هنا تجدر الإشارة إلى أن "الثنائي الشيعي" في لبنان، ومع أنه يأتي على ذكر الصدر لشرعنة موبقاته بمعدّل مرّتين في الشهر الواحد، لم يتحدّث ولو لمرّة واحدة (منذ ثلاثين عامًا على الأقل)، وبشكل جدّي وتفصيلي، عن أسباب إخفاء الأمام. وكأن الإمام أخفي بسبب خلافات شخصية أو فقهية مع القذافي (تفسير آيات قرآنية وما شابه). المقابلة الأولى أجراها حمادة مع جلال الدين الفارسي، الرجل الذي كان صلة الوصل بين الإمام الخميني ومنظمّة التحرير الفلسطينية. وكان الفارسي متواجدًا في لبنان في أواخر السبعينات. يقول الفارسي لحمادة إن أقوال ونظريات الصدر كانت مخالفة للقرآن الكريم، كما إنه كان سبق أن قال في مقابلة أخرى أن الصدر "كان يجب أن يقتل، وقد قتله القذافي". للمفارقة (ويا للصدف)، كان الفارسي متواجدًا في ليبيا في فترة زيارة الإمام لطرابلس. المقابلة الثانية والتي لا تقل أهميّة، أجراها حمادة مع سفير لبنان في إيران في العام 1978، خليل الخليل. يقول الخليل إنه أبلغ رسميًا أن الإمام الصدر كان قد أرسل برقيّة إلى شاه إيران في شهر تمّوز، يقول فيها إنه مستعد لمساعدة الشاه على إصلاح نظامه، بشكل يتناسب مع مقتضيات الإسلام، وذلك بهدف إبعاد "المتطرفين الخمينيين" عن السلطة في إيران. وكان الصدر على موعد مع مسؤولين إيرانيين لمناقشة طرحه في ألمانيا، وذلك بعد أسبوع من موعد اختطافه (يا للصدف أيضًا). من هنا نفهم كلام شقيقة الإمام الصدر التي قالت حديثًا إنّه لولا اختفاء الإمام، لكان لبنان مختلفًا وإيران مختلفة أيضًا. هل وضحت الصورة؟
بالعودة إلى خصلة الشعر التي حصل عليها قاسم من الجثة في ليبيا، يقول حمادة إنّه سلّمها إلى مسؤولين في مكتب الرئيس بري في العام 2011، وإنّه لم يلقَ جوابًا بخصوص تطابقها مع الحمض النووي لأعضاء من عائلة الإمام الصدر. كما يؤكد القاضي المولج متابعة قضيّة الإمام الصدر في لبنان، حسن الشامي، أن الخصلة فقدت لسبب "تقني" (!) ويضيف أيضًا أن صور الجثة والفحوص المخبرية التي أجريت عليها لا تعني له شيئًا(!). هذا بينما يقبع هانيبال معمّر القذافي في سجن لبناني منذ عشرة أعوام (من دون محاكمة)، تحت ذريعة كتمان معلومات عن الإمام الصدر، الذي اختفى وهانيبال في عمر الثلاث سنوات. لماذا لا تريد حركة "أمل" طيّ صفحة الإمام الصدر، وكيف يعاونها القضاء اللبناني في ذلك؟ الجواب في استمرار الاستثمار في تلك الشرعية، واستمرار إحكام القبضة على قضاة "الثنائي"، بكل ما لذلك من تبعات سياسية وقضائية في آن.
ما ورد أعلاه (كما الوثائقي) ليس سردًا للتاريخ، ولا للذكرى. وإنما يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من النقاش الدائر حاليًا حول إمساك "الثنائي" القسري والقهري بالصوت الشيعي، كما حول علاقة جزء من الدولة العميقة بهذا الإمساك. لا شك أن نبيه برّي لن يكون (كما يتمنى الكثيرون) "المنقذ" الذي "يقلب الطاولة" على "حزب الله" ومشروعه الانتحاري، بل إنه مستمر في ألاعيب "الأرانب" التي عرف بها طوال ثلاثة عقود، والتي ما زالت تسحر بعض الموفدين الأجانب ولكنها لم تعد تنطلي على أي من اللبنانيين. ولا شك أيضًا أنه لا يمكن بالمنطق جمع عشق عموم الشيعة للإمام الصدر مع التزامهم المفترض بالمشروع الخميني في المنطقة، والذي كان وراء عمليّة الإخفاء، بالتكافل والتضامن مع متطرّفي "الثورة الفلسطينية". ولكن الأهم هو كيفيّة تصرّف الدولة مع "الثنائي". ففيما ينظّر البعض أن إراحة "الثنائي" تفتح الباب أمام ما يسمى الاختراق الشيعي، فإن العكس تمامًا هو الصحيح. إن فرض سلطة الدولة، وهيبتها، وحضورها، هو ما يسمح للتنوّع السياسي الطبيعي أن يفرض نفسه. فهل تبدأ الدولة، على الأقل، بالبحث عن من استلم تلك الخصلة الآتية من ليبيا، وماذا فعل بها، علها تكون "الشعرة التي قصمت احتكار الثنائي"؟
لمشاهدة التقرير كاملا: