باريس
عكست استقالة رئيس الحكومة الفرنسية المكلّف سيباستيان لوكورنو صباح أمس، بعد ساعات فقط من إعلانه مساء الأحد تشكيل حكومته، أزمة سياسية غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الخامسة وتخبّطًا في إيجاد مخرج للأزمة الناجمة عن غياب غالبية برلمانية.
وفي خطوة مفاجئة، طلب الرئيس إيمانويل ماكرون من لوكورنو إجراء محادثات أخيرة حتى يوم غد بعدما كان قد قبل استقالة الحكومة صباحًا. وأعلن لوكورنو موافقته على طلب ماكرون الذي فسّره المحللون على أنه مقدمة لمرحلة انتقالية أو لقرارات حاسمة تتراوح بين قبول الاستقالة نهائيًا أو إعادة التفاوض مع الأحزاب السياسية بهدف تشكيل ائتلاف قادر على تأمين الثقة للحكومة كمقدّمة لإعادة تكليف لوكورنو، بعدما أعلن وزير الجيوش الفرنسية برونو لومير تخليه عن المشاركة في الحكومة بسبب الاعتراضات على ضمّه إلى الوزارة الجديدة.
جاء تخلّي لوكورنو عن رئاسة الحكومة في وقت مليء بالتحدّيات الاقتصادية والمالية عشية الجلسة النيابية التي كانت محدّدة اليوم من أجل تقديم موازنة عام 2026، وفي الوقت الذي يواجه فيه ماكرون تحدّيات سياسية داخلية واقتصادية ستحدّد مسار الحياة العامة في البلاد في السنوات المقبلة.
تعدّ استقالة لوكورنو بمثابة انعكاس للأزمة السياسية التي بدأت بحلّ البرلمان في حزيران 2024 وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة لم تفرز غالبية برلمانية واضحة قادرة على تشكيل حكومة وتأمين الثقة لها. وقد سعى لوكورنو منذ تكليفه في 9 أيلول الماضي إلى تشكيل ائتلاف من أحزاب اليمين واليمين الوسط ومن حزب ماكرون، لكنه اضطرّ إلى الاستقالة نتيجة تراجع حزب "الجمهوريون"، بقيادة برونو ريتاليو، عن المشاركة في الحكومة، رافضًا بشدّة إسناد حقيبة الجيوش إلى لومير الذي خرج من صفوف الحزب وانضمّ إلى ماكرون منذ العام 2017.
قرّر زعيم "الجمهوريين" سحب وزراء الحزب من الحكومة لأن لوكورنو لم يطلعه على نيّته إسناد حقيبة وزارية إلى لومير الذي تولّى وزارة الاقتصاد على مدى سبع سنوات من العام 2017 إلى العام 2024، والذي تُحمّله الطبقة السياسية والنقابات العمالية مسؤولية الانهيار المالي في البلاد، وتراجعه عن كلّ وعوده لخفض مصاريف الدولة وعدم استحداث ضرائب جديدة. هذه الأزمة تمثل تفكّكًا جديدًا في هيكل النظام السياسي الفرنسي، حيث تُظهر تصدّعات عميقة بين الأحزاب السياسية الساعية للإمساك بالسلطة، ما يزيد الوضع تعقيدًا في بلد يعاني من انقسامات سياسية متزايدة.
لوكورنو، الذي كان يأمل في توسيع نطاق الحكومة وتعزيز الاستقرار السياسي من خلال عرض تنازلات، بما في ذلك التخلّي عن المادة 49.3 من الدستور الفرنسي التي تسمح للحكومة بتبني قوانين من دون عرضها على التصويت في البرلمان، وجد نفسه في النهاية ضحيّة تشتت المشهد الحزبي وطموحات الشخصيات السياسية الكبرى. في تصريحاته بعد الاستقالة، أشار لوكونو إلى "الطموحات الحزبية" التي فشلت في وضع المصلحة الوطنية فوق الأيديولوجيا، الأمر الذي زاد من تعقيد أي إمكانية لإيجاد حلول سياسية قابلة للتطبيق في المستقبل القريب.
يواجه ماكرون الآن خيارات ضيّقة ومصيرية. هناك دعوات متزايدة من بعض القوى السياسية إلى حلّ الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، الأمر الذي يطالب به خصوصًا "التجمع الوطني" بزعامة مارين لوبن، بينما يطالب حزب "فرنسا الأبية" بقيادة جان لوك ميلونشون بتفعيل إجراءات عزل الرئيس ليزيد من تعقيد الموقف السياسي. هذا المناخ السياسي المأزوم يضع ماكرون أمام اختبار تاريخيّ في شأن قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة، سواء بالذهاب إلى الحل السياسي أو بإعادة تشكيل الحكومة بطريقة قد تضمن الحدّ الأدنى من الاستقرار. ولكن، يؤكّد المقرّبون منه أنه يستبعد كليًا الاستقالة وهو عازم على إكمال ولايته حتى ربيع العام 2027.
من ناحية أخرى، تشير التحليلات إلى أن فرنسا تواجه أيضًا مخاطر اقتصادية جسيمة من جرّاء هذا الانقسام السياسي. قد يؤدي هذا المناخ السياسي المتقلّب إلى مزيد من عدم اليقين في الأسواق المالية. لعلّ الأزمة الاقتصادية الحالية في فرنسا، التي تشمل التضخم، التباطؤ الاقتصادي، وتزايد الدين العام، تزداد تعقيدًا بسبب انعدام الاستقرار السياسي. بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يتابع الوضع عن كثب، يعتبر أيّ اهتزاز في الاقتصاد الفرنسي بمثابة تهديد للاستقرار الاقتصادي في منطقة اليورو. وبالتالي، فإن استمرار حال الجمود السياسي سيؤثر سلبًا في الثقة في الأسواق المالية، ويجعل من الصعب على فرنسا التوصّل إلى حلول فاعلة للأزمات الاقتصادية القائمة.
مع تزايد الدعوات إلى التعايش السياسي أو حتى تشكيل حكومة "تكنوقراط"، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكّن القوى السياسية المتنوّعة من تجاوز الخلافات الحالية والتوصّل إلى توافق؟ صحيح أن بعض الأطراف السياسية، مثل "الحزب الاشتراكي" و "حزب مودم" اليميني الوسطي بزعامة رئيس الحكومة السابق فرنسوا بايرو، أبدت استعدادًا لإقامة تسويات تاريخية لتجاوز الأزمة، لكن هذا يتطلّب تضحيات سياسية قد تكون صعبة في ظلّ الانقسامات الداخلية الحادّة.
أمّا بالنسبة إلى "التجمع الوطني"، فيرى في الحلّ السياسي المباشر، مثل حل الجمعية الوطنية، الطريقة الوحيدة لاستعادة الاستقرار. ومع ذلك، فإن هذا الخيار قد يعمّق التوترات السياسية ويزيد الانقسامات داخل المجتمع الفرنسي، إذ إن استطلاعات الرأي تعطي هذا الحزب مركز الصدارة، لكنه لن يحصل على الغالبية التي تؤهّله لتأمين الثقة لحكومة برئاسته، كما أنه غير قادر على ضمّ أي حزب من الأحزاب الأخرى إلى ائتلاف حكومي بزعامته.
تمثل استقالة لوكورنو لحظة فارقة في تاريخ السياسة الفرنسية ونهاية "عصر الماكرونية"، تلك الظاهرة التي ولدت عام 2017 على حساب تفتيت المشهد السياسي التقليدي وضرب الأحزاب الرئيسية التي تداولت السلطة منذ قيام الجمهورية الخامسة.