الدكتور سايد حرقص

​بين 11 أيلول 2001 و7 تشرين الأول 2023: خيط رفيع

4 دقائق للقراءة

​في 11 أيلول 2001 و7 تشرين الأول 2023، شهد العالم حدثين مفصليين هزّا النظام الدولي والإقليمي. في الأولى، اخترقت "القاعدة" قلب الولايات المتحدة ووجهت ضربة أربكت القوة العظمى وأظهرت هشاشتها الأمنية. وفي الثانية، عبر مقاتلو حماس الحدود وحطّموا أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر" في عملية فاجأت إسرائيل وأربكتها.

​لقد دفع النجاح الباهر للعمليتين خيال بعض الصحفيين والمحللين نحو نظرية المؤامرة والتشكيك بإمكانية التواطؤ لإنجاحهما من أجل أهداف توسعية أكبر، خاصة وأن كتاب "مكان تحت الشمس" الذي نشره نتنياهو في بداية التسعينيات من القرن الماضي يحتوي على مخططات شبيهة بما يقوم به جيشه اليوم. ولكن هذه التحليلات بقيت بدون إثباتات دامغة حتى اليوم.

​في كلا الهجومين، بدا المشهد وكأن التاريخ يعيد نفسه: ضربة مفاجئة، نجاح رمزي، وهشاشة أمنية مكشوفة، لكن ما حدث بعد ذلك كشف الفارق الجوهري بين مجرد الانتصار التكتيكي والقدرة على تحويله إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.

​القاعدة وحماس اعتمدتا على عنصر الصدمة، لكن لم توجد خطة متدرجة لما بعد النجاح الأول، وكأنهما ركّزتا على نجاح الضربة الأولى ولم تسألا: "ماذا بعد ذلك؟" أو "ما هي الخطوة الثانية؟" أو "ما الذي قد يقدم عليه العدو بعد ذلك؟" أو "ما هي المخاطر الناجمة عن القيام بهذا العمل؟". الأحداث أثبتت عدم وجود تصور واضح ومتكامل لما بعد الضربة الأولى. فلا خطة تشرح آلية الضربة الثانية والثالثة...، ولا مخطط واضح للتعبئة السياسية الجماهيرية، ولا تقييم مخاطر يشير إلى طريقة فتح وساطات دبلوماسية للتخفيف من المخاطر. كل ما جرى كان ضربة واحدة وانتظار رد فعل الخصم، وكأن عنصر المفاجأة بحد ذاته يكفي لتغيير المعادلات والقضاء على العدو بضربة واحدة. غير أن المفاجأة، مهما كانت قوية، تبقى لحظة قصيرة العمر إن لم تترافق مع رؤية استراتيجية مدروسة.

​السبب الأساسي يكمن في افتقار هذه المجموعات لثقافة التفكير الاستراتيجي الحديث. فقد استندت في خططها إلى مرويات من التراث الإسلامي القديم، وقصص الغزوات والبطولات، لكنها لم تمتلك منهجيات تقييم المخاطر، ولا التخطيط متعدد السيناريوهات، ولا بنية مؤسساتية سياسية أو إعلامية لتحويل النجاح التكتيكي إلى إنجاز استراتيجي مستدام. وهنا يظهر التناقض: نجاح ميداني أولي يتحول سريعًا إلى عبء، لأنه يمنح الخصم الوقت والذريعة لتعبئة قواه وتغيير مسار المواجهة.

​الولايات المتحدة بعد 11 أيلول لم تنهار، بل أعادت بناء نفسها عبر "الحرب على الإرهاب"، وشددت أمنها الداخلي وغيرت سياساتها الخارجية من موقع أقوى. إسرائيل بعد 7 تشرين الأول اهتزت لكنها لم تتفكك، ولم يكن بناؤها أوهن من بيت العنكبوت كما كانوا يسوقون، بل حشدت الداخل والخارج وشنّت حربًا واسعة على غزة لتعيد فرض قواعد أمنية جديدة. ما بدا في البداية هزيمة مروعة تحوّل إلى فرصة لإعادة التموضع وإطلاق ديناميات سياسية وعسكرية أكبر بكثير من حجم الضربة الأولى، مستخدمة أقصى درجات الإجرام العسكري تحت دخان دعاية حق الدفاع عن النفس ومحاربة الإرهاب الذي استهدف حفلاً موسيقيًا دوليًا.

​الفارق الجوهري يبرز عند النظر إلى الثقافات الغربية التي ترى في الفشل فرصة للنمو والتحسين. منهجيات مثل "Lean Startup" لإريك ريس تعتمد على حلقة "بناء-قياس-تعلُّم"؛ أي اختبار الفكرة بأبسط شكل ممكن، وقياس استجابة المستخدم، ثم التعلم لإجراء تحسين أو تعديل. أمثلة كثيرة تؤكد فعالية هذا النهج: سبيس إكس فشلت في ثلاثة إطلاقات صاروخية قبل أن تُغيِّر صناعة الفضاء.

​كذلك فلسفة مضاد للضعف (Antifragility) لنسيم طالب التي توضح أن بعض الأنظمة تتحسن وتزداد قوة عندما تتعرض للصدمات والضغوط، إذا ما وُجدت آليات التعلم والتحكم المناسبة. مثال ذلك استراتيجيات الجيش الأميركي بعد هزيمة فيتنام، حيث تم إعادة تصميم العقيدة العسكرية، فأدى ذلك إلى أداء فعال في أكثر من حرب حدثت لاحقا.

​الدرس الأساسي بين 11 أيلول و7 تشرين الأول هو أن الضربة المفاجئة وحدها لا تكفي للقضاء على العدو، وأن النجاح التكتيكي بدون خطة متابعة واستثمار للمعلومات والتحولات التي تليها يتحول إلى هدية مجانية للعدو. بينما من يمتلك أدوات التعلم الحديث والتخطيط الدقيق، وتحليل المعلومات، وفهم طبيعة العدو، ومهارات تقييم المخاطر، وأنظمة مضادة للضعف، والأسلحة الحديثة المتطورة، والعقليات المنفتحة التي تفكر خارج محدودية الصندوق، يستطيع تحويل الفشل الأول أو الصدمة إلى نقطة انطلاق لمكاسب أكبر وأطول أمدًا، الأمر الذي يحدد الفارق بين مجرد بطولة عابرة وبين تغيير مستدام لقواعد اللعبة.