رفيق خوري

معركة الانتخابات في حرب السلاح

4 دقائق للقراءة

لبنان ليس على الطريق إلى انتخابات نيابية من النوع الذي ينطبق عليه قول ألكسيس دو توكفيل قبل قرنين إن "الانتخابات ثورات دستورية، وكل جيل هو شعب جديد". وليس واثقًا حتى من أنه ذاهب إلى الانتخابات في موعدها الدستوري المحدد. فالانتخابات اللبنانية التي تتشارك قوى داخلية وخارجية في اللعب بها هي إما "ثورات سلبية على حد التعبير الذي استخدمه أنطونيو غرامشي إن لم تكن مضادة، وإما تنظيم لإدارة "الستاتيكو". وكل جيل يمسك به شعب قديم. والمواعيد مطاطة. كلما اقترب استحقاق دستوري بدأت ترتفع نغمة التأجيل. وإذا سقط التأجيل، بقوة الظروف والالتزامات، دقت ساعة التفخيخ. ذلك أن تأجيل الانتخابات ليس واردًا في الأنظمة الديمقراطية الراسخة. الوارد أحيانً، برغبة الفريق الحاكم أو بقوة الظروف التي تفرض مطلب الفريق المعارض، هو إجراء انتخابات مبكرة. والمؤكد على مسافة بعيدة من الانتخابات هو القانون الذي تجرى على أساسه. بحيث يعرف كل فريق كيف يدير معركته. ولا مجال للاعتراض على الموعد المحدد من جانب الخائف من الخسارة لأنه محكوم باللعب حسب القواعد المعروفة. أما في لبنان، فإن اللعبة مفتوحة أو مغلقة حسب حسابات الطرف القوي داخليًا أو خارجيًا ومصلحته. وتغيير قواعد اللعب ممكن في أي وقت. حتى في الأنظمة الشمولية، فإن إجراء الانتخابات يتم في الموعد المحدد لأن البرلمانات مضمونة ولا دور لها سوى تشريع ما يريده الحاكم القوي.

والمعنى البسيط لذلك هو أننا لم نصل بعد إلى مرتبة الدولة، ولا تزال في ديمقراطية منقوصة تديرها سلطة تبدو قوية حينًا ورخوة حينًا آخر. ولا نحن في نظام شمولي أو سلطوي بل في خلطة ديمقراطية شمولية سلطوية لا هوية لها. فالانتخابات النيابية تدار على طريقة "ألا كارت". الخائف من الخسارة يقاتل ويناور من أجل التمديد للبرلمان. والآمل في الربح يقاتل لتثبيت الموعد المحدد ويتمنى التعجيل إذا كان ممكنًا. وكل طرف يريد قانونًا على ذوقه يضمن له خسارة خصمه إن لم يضمن له الربح المطلوب. وهذا معنى إصرار "الثنائي الشيعي" على حصر انتخاب المغتربين بستة مقاعد في الخارج، وإصرار معظم القوى على مشاركتهم في انتخاب الـ 128 نائبًا في المجلس. والتسوية التي تبدو مرجحة يخسر فيها لبنان والمغتربون، بحيث لا انتخاب لستة مقاعد في القارات ولا تصويت في السفارات والمرشحين في الدوائر، وعلى أي مغترب المجيء إلى لبنان ليدلي بصوته.

والحال أخطر وأسوأ بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية منذ نهاية عهد الرئيس أمين الجميل من دون انتخاب خلف له بل تعيين حكومة عسكرية برئاسة العماد ميشال عون استقال نصفها المسلم فورًا وقام النصف المسيحي بحربين وحلَّ البرلمان لمنع انتخاب رئيس غير عون، قبل أن يخرجه الجيش السوري من السلطة ولبنان إلى المنفى الفرنسي. وهكذا تمكن نواب اتفاق الطائف من انتخاب الرئيس رينه معوض الذي جرى اغتياله يوم ذكرى الاستقلال.

خلال الوصاية السورية حدث بسهولة انتخاب الرئيس الياس الهراوي ثم الرئيس إميل لحود والتمديد ثلاث سنوات لكل منهما. بعد الانسحاب العسكري السوري وامتداد الوصاية الإيرانية انتهى التقيد بالمهل الدستورية وصارت القاعدة لا الشذوذ، هي الشغور الرئاسي في ظل حكومات ملء الشغور ومافيا ملء الجيوب. وكان على اللبنانيين انتظار أشهر وحرب في الداخل قام بها "حزب الله" للذهاب إلى تسوية الدوحة ثم انتخاب الرئيس ميشال سليمان، وانتظار سنتين ونصف سنة لانتخاب الرئيس ميشال عون، ثم انتظار أشهر لانتخاب الرئيس جوزاف عون، وسط دعم أميركي وسعودي وفرنسي لإنقاذ لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وسلاح "حزب الله".

لكن سحب السلاح يواجه الرفض القاطع لذلك من "حزب الله"، وسط تردد السلطة في تنفيذ التزامها بقرارها. وما يدور حاليًا هو الإيحاء بأن الوصاية الإيرانية هي اليوم مع "حزب الله" أقوى في لبنان والمنطقة لمواجهة النفوذ الأميركي والسعودي والقوة الإسرائيلية. ولا أحد يعرف كيف تنتهي اللعبة.

وليس أخطر من الفشل سوى ما يسميه الخبير العسكري الاستراتيجي البريطاني لورنس فريدمان "النجاح الكارثي".