نبيل يوسف

الأسبوع الأخير من آب 1978 (الجزء السابع)

يوميات المطران أبو جوده في الشمال المسيحي

6 دقائق للقراءة
المثلّث الرحمة المطران رولان أبو جودة

شهدت مناطق الشمال المسيحي ويلات وفواجع ستبقى تروى لعشرات الأعوام، حيث عانى الأهالي والمسؤولون المحليون أهوالًا لا يمكن وصفها، من بينهم المثلث الرحمة المطران رولان أبو جوده، إذ لا تتسع مجلدات لكتابة ما مرّ عليه في تلك الأيام. في الجزء السابق، أشرنا إلى أنّ المطران أبو جوده الذي كان وقتها نائبًا بطريركيًا على منطقتي البترون ودير الأحمر من الأبرشية البطريركية، كان في الأسبوع الأخير من آب، يقوم بزيارات رعائية في منطقة البترون.

من البترون اتصل المطران أبو جوده بالخوري فيليب شبيعة في بشري يسأله عن الوضع في منطقة بشري – دير الأحمر وإمكانية تفقدها، فأعلمه الخوري شبيعة أن القوات السورية تقطع طريق دير الأحمر في منطقة الأرز، وأن رئيس أساقفة طرابلس المطران أنطوان جبير والأب عاد أبي كرم نائب رئيس كاريتاس لبنان اللذين كانا يتفقدان المنطقة موجودان حاليًا في منزله، ويستعدون جميعًا للانطلاق إلى بكركي.

بعد وصول أبو جوده وجبير من الشمال، عُقد اجتماع في الصرح البطريركي ترأسه البطريرك خريش وشارك فيه المطارنة: صفير وأبو جوده وضومط وجبير، والآباتي مخايل أبي فاضل رئيس الرهبنة الأنطونية، وعدد من آباء الرهبنة اللبنانية والكهنة ومسؤولي كاريتاس والهيئة المارونية للتخطيط، وتقرر أن تقوم الرهبنة المارونية باستقبال المهجرين في أديرتها، وتتولى كاريتاس الإشراف على تنسيق المساعدات لهم، فيما أصرّ البطريرك خريش على وجوب إبلاغ الكهنة بضرورة بقائهم في قراهم وعدم مغادرتها مهما كانت الظروف، وتقرر أن يزور المطران نصر الله صفير الرئيس سليمان فرنجية.

خلال الاجتماع اتصل البطريرك خريش بالرئيس سركيس ناقلًا إليه مجددًا حقيقة المأساة في قرى البترون وبشري ودير الأحمر، التي خلت من الناس، وأوفد المطارنة: صفير وأبو جوده وجبير والآباتي أبي فاضل والخوري شبيعة والأب سمير مظلوم إلى قصر بعبدا، الذي وصلوه ليلًا ووضعوا الرئيس سركيس ووزيري الداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية في حقيقة الوضع المأسوي في القرى التي زاروها، والتقوا هناك النواب: حبيب كيروز وجورج سعاده وبطرس حرب وطارق حبشي وجبران طوق.

بعد نهاية الاجتماع، أبلغ المطران أبو جوده الصحافيين أن المسعى منصبّ حاليًا لإغاثة النازحين الذين اضطروا لترك أرضهم، والرئيس سركيس يرفض التجاوزات التي تحصل مهما كان مصدرها.

قبل ظهر الثلثاء 29 آب، وصل المطران نصر الله صفير يرافقه المونسنيور أنطون دهمان والملازم أول يوسف سعد إلى قصر الرئيس سليمان فرنجية في إهدن حيث نقلوا إليه حقيقة الوضع في قرى: البترون وبشري ودير الأحمر، خاصة لناحية الموقوفين لدى القوات السورية والمفقودين من الأهالي، ووضع الأهالي الذين اضطروا لترك قراهم، وتمركز القوات السورية داخل كنائس القرى، طالبين تدخله لمعالجة هذا الوضع، فأبدى الرئيس فرنجية استعداده لتقديم أي مساعدة ممكنة واعدًا بالبحث مع القيادة السورية في الشمال بمصير الموقوفين لديها، والعمل على عودة الأهالي إلى منازلهم، ورفض رفضًا قاطعًا أي تمركز لأي كان داخل الكنائس، متعهدًا العمل على إخراج الجنود فورًا من جميع الكنائس. وطلب من جورج ضو الذي كان قصد إهدن لمعالجة وضع القرى البترونية، إبلاغ الصحافيين نداء باسمه يطلب فيه من جميع الذين تركوا قراهم العودة إليها فورًا ما عدا الذين شاركوا في مجزرة إهدن.

أما المطران رولان أبو جودة، فحاول التوجه صباحًا إلى دير الأحمر يرافقه الآباتي مخايل أبو فاضل والأب سمير مظلوم رئيس كاريتاس لبنان والخوري فرنسيس البيسري، لكن القوات السورية في الأرز منعتهم من إكمال طريقهم، ورغم انتظارهم وقتًا غير قصير لم يسمح لهم بالتقدم، فعادوا إلى بشري والتقوا في منزل الخوري فيليب شبيعة المختار منصور معوّض طوق وعددًا من المسؤولين، الذين نقلوا إليهم حقيقة الوضع الذي تعيشه المنطقة وتخوفاتهم من الأيام القامة.

من بشرّي انتقل الوفد إلى المقر البطريركي في الديمان والتقوا الخوري فؤاد بربور وعددًا من الكهنة والمخاتير الذين أخبروهم عن الوضع المأسوي الذي تعيشه قرى وبلدات الجبة التي فرغت من أهلها التائهين حاليًا في الجبال والحقول، وأصرّ المطران أبو جوده على ضرورة إبلاغ الأهالي بالبقاء في قراهم مهما كلف الأمر.

من الديمان عادوا إلى البترون والتقوا الأب سليم رزق الله الكبوشي، العائد لتوّه من قرى وسط البترون التي تفقدها مع الخوري سمير الحايك.

كانت قضية المفقودين والمعتقلين لدى القوات السورية ضاغطة جدًا، فلدى عودته إلى البترون، التقى المطران أبو جوده المقدم في الجيش اللبناني علي شعيب المكلف متابعة قضية المفقودين والمعتقلين لدى القوات السورية، وبناءً لطلبه تقرر تنظيم لوائح اسمية بالمفقودين للبحث فيها مع القيادة السورية، وتم تكليف الخوري سمير الحايك والأب سليم رزق الله الكبوشي الاهتمام باللوائح بالتنسيق مع كهنة القرى والبلدات.

وهو في البترون تبلغ المطران أبو جوده أن الوضع متوتر قرب دير كفرحي وتم الاعتداء على الخوري يوسف ضرغام، فانطلق على الفور إلى هناك.

كان الوضع في محيط دير كفرحي صعبًا للغاية، فالقوات السورية تطوقه تقريبًا وتمنع الدخول إليه إلا بصعوبة.

بعد مضايقات، تمكن من دخول الدير حيث التقى المونسنيور يوسف أبي صعب والخوري يوسف ضرغام وبعض الأهالي الذين التجأوا إليه والخائفين من أن تقوم القوات السورية بمداهمته والتمركز داخله، فطمأنهم وطلب منهم البقاء مهما كانت الصعاب، وأخبره الخوري ضرغام حقيقة المضايقات والإهانات التي تعرض لها عندما حاول تفقد كنيسة كفرحي، وأن سيارته لا تزال مع القوات السورية عند الكنيسة.

توجه المطران أبو جوده ومن معه إلى كنيسة كفرحي التي تحولت إلى مركز عسكري، فمنعتهم القوات السورية من الاقتراب، لكن المطران أبو جوده أصر على استعادة سيارة الخوري ضرغام فسلمت له.

من كفرحي قصد المطران أبو جوده دير ميفوق، وفي طريقه توقف في ساحة كنيسة كفيفان والتقى الخوري يوسف بصبوص والخوري عبد الله زهرة وبعض الأهالي، الذين أخبروه عن الوضع المأسوي الذي تعيشه البلدة، وعن الحواجز السورية المنتشرة بكثافة بين المنازل، التي تفرض شبه حظر للتجول على من بقي من الأهالي. وعن الإشكالات التي تعرّض لها الخوري عبد الله زهرة مع الجنود السوريين الذين ألزموه بالبقاء في منزله لعدة أيام، فأصر عليهم بضرورة البقاء في البلدة مهما كانت الصعاب والاتصال بمن غادر للعودة، مؤكدًا أن الظروف الحالية لن تطول وستثمر الاتصالات السياسية وسيعود الوضع إلى طبيعته.

من كفيفان تابع المطران أبو جوده ومن معه إلى دير كفيفان حيث انضم إليهم الأب يوسف عجيل القادم مع عدد من الرهبان من جولة على القرى المجاورة لطمأنة الأهالي وأكملوا إلى دريا، التي لم يجدوا فيها سوى الخوري طانيوس سعاده العائد لتوّه من دير عنايا ورجل عجوز و3 سيدات هم مَن بقي في البلدة، والتقوهم في ساحة الكنيسة لوقت قصير وأخبروا عن حجم المعاناة التي يعانونها، فأصر عليهم المطران أبو جوده بضرورة عودة الذين غادروا وطلب من الخوري سعاده التوجه إلى دير عنايا وإقناع الجميع بالعودة، مبديًا استعداده لزيارة دير عنايا لإقناع الأهالي بالعودة إلى قراهم إذا لزم الأمر.