تتصدّر مسألة النظام السياسي في لبنان النقاش العام مجدداً مع تصاعد الأصوات الداعية إلى الفدرالية، مقابل تمسّك أطراف أخرى بخيار تطبيق الدستور واتفاق الطائف. هذا السجال ليس مجرد خلاف حول الشكل المؤسسي الأمثل للدولة، بل يعكس رهانات متباينة على مستقبل لبنان وتوازناته الداخلية والإقليمية. في صلب هذا الجدل، يبرز موقع “حزب الله” الذي يحسن استثمار أي غياب للدولة أو انقسام بين مكوّناتها لتعزيز نفوذه وتكريس مكتسباته.
أولاً: الدستور كخيار تأسيسي
ينطلق دعاة “الدستور أولاً” من قناعة أنّ الأزمة اللبنانية ليست في النصوص بل في تعطيلها. فالدستور المعدّل بموجب اتفاق الطائف نصّ بوضوح على:
1. حصرية السلاح والقوة العسكرية بيد الدولة.
2. نقل صلاحيات تنفيذية واسعة إلى مجلس الوزراء مجتمعاً.
3. تعزيز التوازن بين الطوائف وضمان المشاركة في المؤسسات.
وبالتالي، فإن الالتزام بتطبيق الدستور يمثل مدخلاً لإعادة بناء الدولة المركزية، وترميم العقد الاجتماعي، وإطلاق مسار إصلاحي سياسي واقتصادي.
ثانياً: لماذا يرفض حزب الله تطبيق الدستور؟
من منظور حزب الله، التطبيق الكامل للدستور يحمل تهديداً مباشراً لمكانته:
* سلاح الحزب يفقد شرعيته، إذ لا يمكن تبريره خارج إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.
* شبكة النفوذ التي بناها على قاعدة القوة العسكرية والسياسية تصبح مقيّدة بمؤسسات رسمية.
* المعادلة الإقليمية التي يقوم عليها دوره كذراع إيرانية في المنطقة تتعرض للاهتزاز مع قيام دولة لبنانية قوية ذات قرار سيادي.
لذلك، فإن استمرار حالة “اللا-دستور” أو تطبيقه الانتقائي يخدم الحزب لأنه يكرّس ازدواجية السلطة ويتيح له التحرك كفاعل داخلي وخارجي في آن واحد.
ثالثاً: الفدرالية كطرح بديل
يطرح بعض الأطراف خيار الفدرالية باعتباره مخرجاً من الدولة الفاشلة. الفدرالية بالنسبة لهم تُقدَّم كضمانة لخصوصيات المكوّنات اللبنانية، لكنها عملياً تحمل نتائج أخرى في موازين القوى الراهنة:
1. إقرار بفشل الدولة المركزية وعدم قدرتها على فرض سلطة واحدة.
2. شرعنة الأمر الواقع الذي فرضه حزب الله في الجنوب والبقاع، بحيث تتحول “دويلته” إلى كيان معترف به ضمنياً.
3. إضعاف الجبهة السيادية، إذ يتحول النقاش من مسألة حصرية السلاح وسيادة الدولة إلى مسألة إعادة صياغة الكيان.
4. تجزئة المعارضة، لأن الفدرالية تثير حساسيات طائفية وانقسامات سياسية جديدة، ما يشتت الخصوم بدل توحيدهم.
رابعاً: أيهما يخدم مشروع حزب الله؟
إذا كان حزب الله يستفيد من تغييب الدستور لأنه يتيح له التمدد، فإنه يستفيد أكثر من الطروحات الفدرالية لأنها تمنحه غطاءً دستورياً لمكسبه التاريخي: تحويل لبنان إلى كيانات ضعيفة غير قادرة على مواجهته. في الفدرالية، يستطيع الحزب الحفاظ على سلاحه تحت عنوان “حماية الإقليم الشيعي”، بينما تفقد القوى الأخرى قدرتها على فرض سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
خامساً: المفاضلة الاستراتيجية
يُطرح بالتالي سؤال جوهري: هل من المجدي البحث عن صيغ بديلة مثل الفدرالية قبل اختبار إمكانات تطبيق الدستور؟
* خيار “الدستور أولاً”، رغم صعوبته وتعقيداته، يمثل معركة واضحة ومباشرة لاستعادة الدولة.
* خيار الفدرالية، في السياق الحالي، يختزل الأزمة في بنية النظام، متجاهلاً أنّ المشكلة الأعمق تكمن في اختلال موازين القوى ووجود سلاح خارج الدولة.
يتبيّن من هذه القراءة أنّ التشديد على الدستور أولاً ليس موقفاً قانونياً شكلياً بل خياراً سياسياً وجودياً. فالدستور يشكل ساحة المواجهة الحقيقية مع مشروع حزب الله لأنه يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة. في المقابل، الفدرالية، في ظل المعطيات الراهنة، تمنح الحزب مكسباً مضاعفاً: تثبيت نفوذه وإضعاف خصومه.
من هنا، فإن الرهان على الدستور ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على وحدة الكيان اللبناني ومنع تحوّله إلى ساحة مفتوحة لمشاريع التفتيت الإقليمية.