مشكلات متعددة قصيرة وطويلة الأمد تحصل نتيجة الجلوس الطويل وراء المكتب، أبرزها في المفاصل والعضلات. وكلما طالت الفترة، امتدّت الأوجاع من العنق والعمود الفقري إلى المفاصل الكبيرة كالأكتاف والحوض والمِرفقين. وكلما ابتعدنا عن النشاط والحركة بلغت المشكلات الصحية القلب والرئة والجهاز العصبي.
عندما تفرض طبيعة العمل وأسلوب الحياة جلوسًا طويلًا وراء المكتب أمام شاشة الكومبيوتر تتحوّل أوجاع المفاصل والعضلات إلى تشنجات وتعبٍ عند التحرّك وإحساسٍ باليباس، ولا تقتصر المشكلات الصحية على هذا الحدّ، بل تنسحب إلى الدورة الدموية أيضًا خصوصًا عند أسفل القدمين لدى من تخطّى الخمسين عامًا. ومن آثار الجلوس الطويل من دون حركة، وفق ما يحدد الدكتور ايلي قرباني المتخصص في طب العائلة والرياضة، "كسل في هيكلية شرايين القدم، ما يؤدي إلى أورام، وفشل لاحقًا في عضلة القلب. إضافة إلى تكّدس السعرات الحرارية المكتسبة خلال النهار، فيُلاحظ زيادة في الوزن تترافق مع صعوبة في التحكّم بمخزون السكّر في الدمّ، ما يسبب مرض السكّري أو ارتفاع ضغط الدم".
ويوضح "أن الحركة الدموية تعتمد على قسطلين، أحدهما يأخذ الدم من القلب إلى الأعضاء والعضلات والثاني ينشط بالعكس، لكنه لا يحتوي كالأوّل على عضلات مسيّرة للدم، فيتكل بشكل كامل على نشاط عضلات القدمين والأفخاذ لردّه إلى القلب. لذا، عند حصول الركود الطويل، يقوم القلب بمجهود مضاعف لضخ الدمّ بطريقة غير مباشرة إلى أطراف الجسم ما يسبب ارتفاعًا في الضغط، وفشلًا في عضلته على المدى الطويل".
وعن تأثّر جهاز التنفس بقلة الحركة يقول: "الامتناع عن ممارسة الرياضة وتحريك المِرفقين فوق الكتفين، وعدم المبادرة للقيام بأي نشاط جسدي، يخفف من نسبة التنفّس ودخول الهواء إلى الرئة كاملة، فتُطبق أطرافها ليصاب الشخص بما يُسمّى shallow breathing المسيء للصحة، حيث لا تُستخدم القدرة الاستيعابية الكاملة للرئتين، وبالتالي عندما يحتاجها الشخص تصبح الحركة أصعب ومتعبة أكثر، كالحال عند صعود السلالم أو الركض أو المشي في المنحدرات".
وبالنسبة إلى الجهاز الهضمي، "يسرّع النشاط الجسدي الهضم كمحاولة للتخلّص من الأكل في الأمعاء بهدف توفير الطاقة لاستخدام عضلات الجسم، لذا عند الامتناع عن الحركة والجلوس لفترات طويلة، تعتاد الأمعاء على الكسل والعمل البطيء، ما يسبب مشكلات صحية مرتبطة بالهضم كالإمساك والنفخة وغيرها". ويتحدث عن النسبة المرتفعة للأشخاص الذين يعانون أوجاعًا في العنق في العيادة بسبب الاستعمال المتواصل للهاتف لأسباب رفاهية أو عملية والانحناء لتصفّح المواقع. فينصحهم بالاستراحة 5 دقائق كل نصف ساعة أو ساعة من أجل استرخاء العضلات وتحريك الجسم وبالتالي تنشيط الدورة الدموية.
أمّا عن وضعية الجلوس الصحية، فيقول: "يجب انحناء الركبة والحوض 90 درجة، وإبقاء الرأس فوق الأكتاف لئلا يلقي الجسم بثقله على الأوتار والعضلات. ورغم أن ذلك يتطلّب تركيزًا أكثر خلال النهار، إلا أن اعتماده مع تقنية الاسترخاء بين ساعات العمل، ينعكس إفادة ايجابية مع الوقت".
ويشير إلى ارتباط غير مباشر ما بين الجلوس لفترات طويلة والصحة النفسية، "حيث أن ارتفاع دقات القلب في أثناء ممارسة الرياضة والنشاط البدني يساعد الجسم على تنشيط أعضائه كافة ومن ضمنها الرأس. فيما يعيق الركود وصول الأوكسجين والعناصر الغذائية بشكل كافٍ وفعّال إلى النخاع، ما يؤثر على التركيز لفترة طويلة ويزيد الشعور بالإرهاق والتعب".
من جهة أخرى، أثبتت الدراسات أن ممارسي الرياضة والنشاط البدني يمتلكون إدارة جيّدة لهرمون السيروتونين المسؤول عن السعادة والمزاج والانفعال. لذا يؤدي الكسل إلى استهلاك كبير لهذا الهرمون في مقابل توليد ضعيف له ما يسبب اضطرابات نفسية وقلقًا وكآبة. كذلك عندما يفشل الإنسان في تحقيق الهدف الذي يسعى إليه، ينخفض منسوب هرمون الدوبامين المسؤول عن السعادة في الرأس، ما يؤدي إلى اضطراب نفسي وكآبة على المدى الطويل.
ويختم د. قرباني قائلاً: "لمواكبة متطلبات العمل على المدى الطويل وبمستوى متكافئ، نحتاج إلى جرعة دفع من الطاقة، ترتكز على الحركة والاسترخاء وممارسة أي نشاط بدني ممكن في أماكن العمل".
صائح عملية - التأكّد من وضعية جلوسنا وراء المكتب، كي لا نضغط على مفاصل الجسم. وترتكز على ملامسة القدمين للأرض وانحناء الحوض والركبة 90 درجة. - أن يحتوي كرسي المكتب على وسادة ملتوية عند أسفل الظهر لإبقائه مستقيمًا. - أن تكون وضعية الرأس فوق الأكتاف، والشاشة عند مستوى الحنك للنظر بشكل مباشر ومستقيم. - ألّا نضغط بقوة على المِرفقين وتكون وضعية اليدين بين 90 و120 درجة. - الاسترخاء أو المشي بين 5 و10 دقائق كل ساعة مع تحريك العنق والظهر والأكتاف واليدين والقفز على رأس الأصابع إذا أمكن. - يمكن تصفحّ المواقع الالكترونية ومواقع الجامعات أو المستشفيات للاطلاع على عادات صحية وتمارين أو التواصل مع معالج فيزيائي أو طبيب متخصص. - شرب الماء بانتظام بين 2 و3 ليترات يوميًا. - الاهتمام بالنظام الغذائي واستهلاك الأطعمة الغنية بالألياف والخضار والدهون الخفيفة بعيدًا من النشويات. - ممارسة 150 دقيقة من الرياضة المعتدلة cardio خلال الأسبوع ورفع الأثقال 3 مرّات أسبوعيًا تزامنًا مع التمارين البسيطة في أماكن العمل. |