في ظلّ التوجه العالمي نحو الرقميات على الصعد كافة، لا بدّ من الإضاءة على أهمية ذلك لحفظ التراث الثقافي والفني في لبنان من التلف وتعزيز انتشاره عالميًا. مشاريع عدّة انطلقت تحت وطأة تحديات كثيرة تعيق قطاعًا يحتاج إلى تمويل دائمٍ ووعي عميق بأهميته.
رقمنة التراث هي تحويل المكوّنات المادية أو غير المادية للتراث الثقافي (كالمخطوطات والصور والأفلام والعمارة والقطع الأثرية والأغاني والرقصات والتقاليد الشفوية وغيرها) إلى صيغ رقمية قابلة للحفظ والنشر بهدف حماية التراث من الاندثار وتسهيل الوصول إليه واستثماره في التعليم.
ويشكّل التراث الرقمي digital heritage برأي عضو مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي، رئيسة جمعية تراث طرابلس، الدكتورة جومانا شهّال تدمري، النتاج النهائي من الرقمنة، أي النسخ الرقمية للمواد التي يمكن تداولها وحفظها الكترونيًا. وتهدف هذه الوسيلة إلى "حماية المواد التراثية من التلف أو الضياع، تسهيل وصول الجمهور والباحثين إلى هذه المواد من أي مكان، أرشفة دقيقة باستخدام البيانات الوصفية وتوفير مادة علمية للمتعلّمين إضافة إلى إبراز الهوية الثقافية على الصعيدين المحلي والعالمي".
وردًا عن سؤال حول الأدوات الرقمية المستخدمة حاليًا في توثيق التراث، تقول د. تدمري: "التصوير والمسح ثلاثي الأبعاد لالتقاط التفاصيل بدقة، التخزين السحابي لحماية الملفات، الواقع الافتراضي والمعزز لعرض التجارب التراثية".
وعن كيفية استخدام الواقع الافتراضي والمعزز لعرض التراث، تجيب: "نستخدم الواقع الافتراضي عبر إقامة جولات افتراضية داخل المواقع الأثرية. أما الواقع المعزز فهو مشاهدة القطع الأثرية عبر الهاتف وكأنها أمامنا".
وإذ تنفي إمكانية أن تحل الأرشفة الرقمية مكان المتاحف التقليدية، تؤكد أنها ستصبح جزءًا أساسيًا ومكمّلاً لها. "سيبقى المتحف رمزًا للأصالة بينما توسع الرقمنة مروحة الجمهور وتسهّل الوصول إلى المادة".
وتشير إلى بدء استخدام هذه التقنيات في لبنان عبر مشاريع عدّة منها:
- Baalbek Reborn لإعادة بناء المعابد افتراضيًا. "حيث أطلقت المديرية العامة للآثار بالتعاون مع المعهد الألماني للآثار وشركة Flyover Zone الأميركية هذا التطبيق الافتراضي ثلاثي الأبعاد الذي يعيد بناء المعابد الرومانية في بعلبك كما كانت قبل آلاف السنين. ويتضمّن جولة تفاعلية تضم 38 بانوراما بزاوية 360 درجة، تتيح للمستخدم رؤية الموقع القديم والحديث مع شروحات صوتية متعددة اللغات.
- i Heritage في جبيل لتجارب الواقع المعزز والافتراضي. وهو مشروع مموّل من الاتحاد الأوروبي، يستهدف تطوير أدوات AR/VR/MR لعرض التراث العالمي بمنطقة البحر المتوسط.
وعن أبرز التحديات التي تواجه مشاريع مماثلة في لبنان، تتحدث عن "ضعف الانترنت والبنى التحتية الرقمية، غياب التنسيق الوطني بين المؤسسات، ارتفاع كلفة الأجهزة والتقنيات، غياب معايير موحدة للبيانات، التمويل غير المستدام، غياب الوعي بأهمية الرقمنة ومخاوف فقدان الأصالة". لافتةً إلى إمكانية تعرّض المحتوى الرقمي للضياع أو التزوير بسبب الأعطال أو التلاعب الرقمي والتزوير والتحريف، فتكون الحماية عبر النسخ الاحتياطية، التحديث المستمر، وblockchain لضمان الأصالة".
وعن مساهمة الرقمنة في جذب الجيل الجديد إلى الاهتمام بالتراث، تقول: "يعيش هذا الجيل في عالمٍ مليء بالصور والفيديوات والمحتوى السريع، وبالتالي من الطبيعي أن تجذبهم الرقمنة إلى التراث. فعندما يشاهدون جولة افتراضية داخل موقع أثري، أو مقطعًا قصيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، يشعرون بأن التراث ليس بشيء بعيد أو جامد، بل تجربة حيّة يمكن التفاعل معها بسهولة ومتعة. فيصبح التراث جزءًا من حياتهم اليومية، ويثير فيهم شعور الفضول والفخر والانتماء".
وعن مستقبل التراث في ظلّ التطور الرقمي، وصفته بالواعد، لأن التقنيات الحديثة تتيح عرض التراث وحمايته ونقله إلى العالم أجمع بطرق جديدة ومشوّقة. حيث يمكن لأي شخص التعرّف على مواقع أثرية أو مخطوطات نادرة وهو جالس في منزله، ما يوسّع دائرة الاهتمام والمعرفة.
ورغم ذلك يبقى التراث برأيها، بحاجة إلى الحفظ الرقمي الآمن من جهة، وإلى التجربة الواقعية من جهة أخرى، لأن زيارة المواقع الأثرية ورؤية القطع الأصلية في المتاحف تجربة لا تعوّض من أي وسيلة رقمية. وتوجّه نصيحة أخيرة لمحبّي العمل في مجال التراث في لبنان بالجمع ما بين الشغف والمعرفة الرقمية، التعاون مع المؤسسات المحلية والدولية والالتزام والصبر لأن حماية التراث مهمة طويلة الأمد.
