من قلب بلدة بعبدات المتنيّة، يطلّ مهرجان «موسيقيّات بعبدات» (Les Musicales de Baabdath) في دورة جديدة بين 19 تشرين الأول الجاري و 8 تشرين الثاني 2025، تحت شعار «أوتار الأمل» (Strings of Hope)، وبرعاية وزارة السياحة. وكما في كلّ دورة منذ العام 2016، الدخول إلى جميع الأمسيات متاح مجانًا لتظلّ الثقافة حقًا مكتسبًا لكلّ الناس، خصوصًا في ظلّ الأزمات.
لا تقتصر حفلات المهرجان على مشاركة موسيقيّين محليّين من لبنان ودول الاغتراب، بل تشترك فيها أيضًا أسماء أجنبية عالمية، ما يفتح باب الحوار الموسيقيّ بين الثقافات. علمًا أن إدارة المهرجان ومنذ العام 2021، أبرمت شراكة مع «معهد غوته» الألمانيّ لتنظيم ورش عمل، يتدرّب في خلالها طلّاب الموسيقى في لبنان على يد كبار الموسيقيّين الألمان، قبل مشاركتهم في عروض مشتركة ضمن ليالي المهرجان. هذا البعد أضفى على «موسيقيّات بعبدات» دورًا تربويًا وثقافيًا، يوازي دوره الفني.
حماسة موران
عازف البيانو الفرنسي ساشا موران عبّر لـ «نداء الوطن» عن حماسته الكبيرة لإحياء حفل في لبنان (28 تشرين الأول)، وقال: «لبنان هو البلد الذي لطالما أولَيته اهتمامًا خاصًا، واعتبرتُ أن الحياة الفنيّة فيه غنيّة ومتنوّعة، وأن الموسيقى الكلاسيكية تجد فيه صدى فريدًا ومكانة مميّزة».
وأوضح موران أنه اختار برنامج الحفل بعناية لأنه «يضمّ الأعمال الموسيقيّة الأقرب إلى قلبه»، مؤكِّدًا إيمانه بأن «الموسيقى، بما تحمله من تنوّع مذهل في المشاعر، تروي قصّة الإنسان عمومًا، وبالتالي تستطيع أن تلامس كل فرد». وأضاف: «ينبغي أن يكون العازف رسول الموسيقى، ليجعلها تتحاور مباشرة مع الجمهور، وهذه القربى هي ما أطمح إلى تحقيقه في بيروت».
وختم موران حديثه مشيرًا إلى أنه كعازف بيانو فرنسيّ شابّ، «أشعر بالفخر لمواصلتي تقليدًا طويلًا من التبادل الثقافي بين فرنسا ولبنان، في الإطار الاستثنائي الذي يتيحه مهرجان «موسيقيّات بعبدات» المدعوم أيضًا من السفارة الفرنسية».
الموسيقى لغة مشتركة
السوبرانو اللبنانية الروسيّة آنا الهاشم، عبّرت من جهتها لـ «نداء الوطن» عن سعادتها العميقة بالمشاركة في «موسيقيّات بعبدات» (20 تشرين الأول)، مؤكِّدةً أن الغناء في لبنان كان دائمًا حلمًا بالنسبة لها، فهو جزء كبير من جذورها، ومكان عزيز جدًّا على قلبها، خصوصًا أن والدها من العاقورة. وأضافت: «حين تواصل معي منظِمو المهرجان ودعوني إلى المشاركة، قبلتُ فورًا وبفرح كبير. أشعر بالامتنان والحماسة لدعم هذه المبادرة المميّزة، خصوصًا إلى جانب صديقي عازف البيانو الرائع هولغر غروشوب».
الهاشم التي حصلت أخيرًا على الجنسية الألمانية قالت: «الرسالة التي أودّ إيصالها من خلال هذه المشاركة، هي أن الموسيقى قوّة توحيد مذهلة لا تعرف حدودًا ولا قيودًا، وهي لغة مشتركة قادرة على جمع الناس أينما كانوا». وتابعت: «المشاركة في أمسيات «موسيقيّات بعبدات» بالنسبة لي، هي مشروع استثنائي بكلّ معنى الكلمة، لا فقط من الناحية الفنيّة، بل أيضًا من الناحية الشخصيّة. فمشاركة الجمهور أمسية مليئة بالموسيقى الجميلة، تجربة خاصة جدًّا. وهنا مناسبة لأشكر فريق المهرجان على جعل هذا الأمر ممكنًا».
الموسيقى باب للأسئلة
مهرجان «موسيقيّات بعبدات» يستضيف أيضًا عياد وساري خليفة (25 تشرين الأول). عازفا البيانو والشيلو أشارا في حديثهما مع «نداء الوطن»، إلى أنه «في الوقت الذي يعيش فيه لبنان أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، يصبح للفن والموسيقى دور أكثر أهمية من أي وقت مضى». وأوضحا أن «الموسيقى الكلاسيكيّة، على الرغم من أنها قد تبدو بعيدة من الواقع اليومي، إلّا أنها في الحقيقة لغة عالميّة تتحدّث عن الإنسان: عن آلامه وآماله، وعن الحبّ والخوف. وهي وسيلة للتعبير عن المشاعر التي قد يعجز اللسان عن قولها، كما أنها وسيلة للتواصل والتضامن». وأضافا: «هذا الحفل فرصة لتقديم هذه اللغة إلى الجمهور اللبناني، ولتذكيره بأن هناك جمالًا وأملًا حتى في أصعب الأوقات».
وعن الرسالة التي يودّ العازفان إيصالها من خلال حفلهما المرتقب، يقولان: «نريد أن ننقل للجمهور أن الموسيقى الكلاسيكيّة، بما فيها الموسيقى الكلاسيكيّة اللبنانيّة، ليست مجرّد تراث من الماضي، بل لغة حيّة تعبّر عن الإنسان. الأعمال التي كتبها العباقرة قبل قرون ما زالت قادرة على إثارة المشاعر العميقة وجعلنا نفكّر في معنى الحياة والوجود».
عياد وساري خليفة أشارا إلى أن وجودهما في «موسيقيّات بعبدات» يحمل لهما دلالات كبيرة، «فالأمر ليس مجرّد حفل موسيقيّ، بل هو جزء من مشروع ثقافيّ أكبر يحمل رسالة أمل وصمود. واستمرار هذا المهرجان على الرغم من التحدّيات، شهادة على قوّة الفن في مواجهة الصعوبات. إنه تذكير بأن الثقافة ليست ترفًا بل ضرورة، مثل الهواء والماء».
ويختم الأخوان خليفة: «الموسيقى الكلاسيكيّة مثل أيّ فن عظيم، لا تقدّم إجابات جاهزة، بل تفتح أبوابًا للأسئلة. جمالها أنها تدعونا إلى التفكير، إلى الشعور، إلى الوجود بوعي أعمق. إذا نجحنا في هذا الحفل في خلق لحظة واحدة من هذا النوع، نكون قد حققنا هدفنا. فالفن الحقيقي لا يُقاس بالتصفيق أو بالإشادات، بل بالأثر الذي يتركه في قلب الإنسان، وبالأسئلة التي يثيرها داخله. وهذا هو التحدّي الذي نواجهه، والأمل الذي نحمله».
من حفل منزليّ إلى منصّة دوليّة
وُلدت فكرة مهرجان «موسيقيّات بعبدات» (Les Musicales de Baabdath) عام 2016 كحفل موسيقي منزليّ أقامه مؤسِّسه سليمان قرباني، وحضره ثمانون شخصًا. لكن سرعان ما تحوّل هذا اللقاء إلى مشروع أوسع انتقل إلى كنيسة البلدة، وبدأ يستقطب جمهورًا أكبر عامًا بعد عام، حتى أصبح منصّة موسيقية دولية لها جمعية خاصة تسمح بعقد شراكات مع السفارات والجهات الداعمة.
يضيف قرباني لـ «نداء الوطن»: «عام 2019، ومع اندلاع الثورة ثمّ انفجار المرفأ، تساءلت مع لجنة المهرجان إن كان علينا التوقف عن إقامة الحفلات، لكننا قرّرنا الاستمرار وإعطاء الأمل عبر الموسيقى، لأن رسالتنا أن نمنح الأمل عبر الموسيقى. كان «المعهد الوطني العالي للموسيقى» (الكونسرفتوار) قد تضرّر بشدّة من جرّاء الانفجار، فقمنا بتنظيم سلسلة حفلات وجمعنا تبرّعات اشترينا بها أوتارًا جديدة للآلات المتضررة، وقدّمناها للمعهد. ومنذ ذلك الحين، صارت كلّ دورة تحمل اسم السنة إلى جانب عبارة «أوتار الأمل»، في إشارة إلى الطريق الطويلة التي ما زال المهرجان يسيرها في هذا السياق».
وتابع قرباني: «منذ انطلاق «موسيقيّات بعبدات»، قرّرنا أن تكون الحفلات مجانيّة بالكامل، إذ مهما كان الواقع صعبًا، يستحق الناس الفرح والتفاؤل من خلال الثقافة. أمّا الدعم فيأتي من القطاع الخاص والأهالي وبلدية بعبدات ومن سفارات أجنبية، وجهات يتغيّر بعضها بين عام وآخر».
برنامج المهرجان
ينطلق المهرجان مساء الأحد 19 تشرين الأول مع أمسية بيانو يقدّمها نخبة طلّاب البيانو في «المعهد الوطني العالي للموسيقى – الكونسرفتوار» ضمن برنامج إرشاد موسيقي من «معهد غوته» الألماني، بمشاركة العازفين: كريستيان عيسى، إيلينا الخوري، فارس عبد الله، بيتر شمعون، ورامي طنوس.
الإثنين 20 تشرين الأول، يطلّ صوت السوبرانو العالمية آنا الهاشم (لبنانية – روسية – ألمانية)، ويرافقها على البيانو العازف الألماني هولغر غروشوب، في أمسية أوبرالية استثنائية، بدعم من «معهد غوته».
السبت 25 تشرين الأول، يقدّم الأخوان ساري وعياد خليفة أمسية فريدة على التشيللو والبيانو، يمزجان فيها بين الكلاسيكية والشرقية، إلى جانب مؤلفات لبنانية معاصرة، بدعم من «جمعيّة Mon Liban d’Azur».
الثلثاء 28 تشرين الأول، يحضر إلى بعبدات نجم البيانو الفرنسي الصاعد ساشا موران في ريسيتال منفرد، برعاية «المعهد الفرنسي» و «السفارة الفرنسية في لبنان».
السبت 1 تشرين الثاني، موعد مع الجاز، حيث يقدّم أرتور ساتيان مع فرقته الرباعية أمسية بعنوان «Music from Brazil & Beyond»، تجمع أنماط البوسا نوفا والسامبا وموسيقى أميركا اللاتينية، برعاية «السفارة البرازيلية في لبنان» و «معهد غيمارايس روزا – بيروت».
الجمعة 7 تشرين الثاني، ينتقل المهرجان إلى بيروت حيث تستضيف «كاتدرائية القديس غريغوريوس المنوّر» أمسية يقدّمها «رباعيّ يريفان» (Yerevan String Quartet) ببرنامج من الريبرتوار الأرمني، بالتعاون مع الطائفة الأرمنية الكاثوليكية بدعم من الكاتدرائية و «مؤسسة بوغوصيان».
وفي ختام الدورة، السبت 8 تشرين الثاني، يعود «رباعي يريفان» إلى بعبدات لتقديم أمسية من الريبرتوار الأوروبي، لتكون مسك الختام نسخة عام 2025 من «موسيقيّات بعبدات».
للمزيد: www.lesmusicales.org
