راشيل علوان

سدّ النهضة... هل نحن أمام تفاقم جديد للأزمة؟

3 دقائق للقراءة
شهدت مصر فيضانات واسعة أخيرًا (رويترز)

حرّكت فيضانات مياه النيل التي غمرت أخيرًا مساحات واسعة في عدة مناطق مصرية وسودانية، مياه التوتر المتصاعد بين مصر وإثيوبيا، بسبب قضية سدّ النهضة. هذه الأزمة المتجدّدة باستمرار بين البلدين، لم تركد مياهها يومًا رغم سنوات من المفاوضات والمبادرات الدبلوماسية، ويبدو أنها تدخل مرحلة جديدة من التصعيد، تطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا واحتمال تفاقم صراع عنوانه الدائم "الأمن المائي".

فمصر تواجه تحديًا استراتيجيًا مزدوجًا: الحفاظ على حقوقها التاريخية في مياه النيل من دون الانزلاق إلى صراع مباشر، وإقناع المجتمع الدولي بعدالة موقفها، فيما تسعى إثيوبيا إلى فرض أمر واقع، مستغلّة الانشغالات الدولية بالحروب الأخرى كأوكرانيا وغزة. من هنا، أسئلة تطرح حول لجوء مصر إلى احتمالات عسكرية في حال أقفلت الاحتمالات التفاوضية باب الحل.

رغم الخطاب الحاد في بعض الأحيان، يظلّ نشوب حرب فعلية خيارًا مستبعدًا ومكلفًا للغاية، فالمجتمع الدولي وعلى رأسه الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، يعارض بشدّة أي تصعيد عسكري في المنطقة. أمّا الكلفة العسكرية لهكذا حرب فهي عالية على كلّ من القاهرة وأديس أبابا، إذ إن إثيوبيا الدولة البعيدة نسبيًا، لا حدود مباشرة لمصر معها، ما يصعّب تنفيذ أي عملية عسكرية مباشرة من دون دعم دولي أو عبر أراضي دول أخرى. كما أن الوضع الداخلي في البلدين لا يسمح بسهولة بخوض صراعات طويلة، فمصر تواجه تحدّيات اقتصادية، وإثيوبيا خارجة من حرب أهلية في إقليم تيغراي ولا تزال تعاني من توترات داخلية.

وبالتالي، تقف أزمة سدّ النهضة أمام ثلاثة سيناريوات محتملة، الأوّل يكمن في الاستمرار في التصعيد الدبلوماسي، وهو السيناريو القائم حاليًا، إذ تواصل مصر اللجوء إلى مجلس الأمن، والاتحاد الأفريقي، وتسعى إلى دعم عربي ودولي. السيناريو الثاني يطرح تدخلًا عسكريًا محدودًا يمكن لمصر اعتماده باعتباره "الملاذ الأخير". فضربة جوية محدودة تستهدف البنية التحتية للسدّ قد تكون خيارًا مطروحًا على الطاولة المصرية، إن شعر النظام المصري بتهديد وجودي حقيقي وبأن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود تمامًا.

أمّا السيناريو الثالث فيكمن في الحل التفاوضي، حيث قد تضطرّ الأطراف للعودة إلى الطاولة إثر ضغوط داخلية وخارجية، خصوصًا في ظلّ الأوضاع الاقتصادية المعقدة في كلّ من مصر وإثيوبيا، وهو السيناريو المفضل دوليًا. رغم أن لغة التهديد طغت في بعض الفترات، فإن الاحتمال الأكبر هو استمرار نزاع سدّ النهضة في إطاره السياسي والدبلوماسي، مع تصعيد محتمل في حالات الأزمات الكبرى. مصر تدرك أن الحرب ستكون مكلفة ومعقدة، وإثيوبيا تدرك أن إغضاب جيرانها سيجعل مشروعها مهدّدًا دوليًا.

يبقى الأمل معقودًا على حلول دبلوماسية مبتكرة، وربّما وساطة دولية جادة تُفضي إلى اتفاق عادل ومتوازن، يحفظ الحقوق ويضمن الأمن المائي لجميع الأطراف. المستقبل القريب سيكشف الكثير، لكن ما هو مؤكد أن مياه النيل أصبحت تشكّل ورقة في لعبة جيوسياسية معقدة.