سامر زريق

وقائع موت معلن

4 دقائق للقراءة
تحرك في خلدة رفضا لقانون العفو العام(نداء الوطن)

ترتفع حدة الاستقطاب حيال مشروع قانون العفو كلما توسعت نقاشاته وتعديلاته، وتعلو معه مجددًا مسألة "دماء العسكريين" بوصفها السقف الذي يمنع الاقتراب منه أو مساءلته ولو بالكلام، حيث يتم استحضارها دائماً كأداة ضبط أخلاقية وقانونية ودولتية تصير معها أقرب إلى "قميص عثمان" السياسي.

بيد أن التدقيق يكشف استخدام هذا القميص باتجاه واحد فقط، ضمن بناء درامي سياسي وإعلامي متقن يشارك فيه "حزب الله" وحلفاء و"أعدقاء"، عبر إبراز حوادث وتغييب أخرى، بما ينتج قدسية انتقائية للدماء تخفي خلفها حسابات ومصالح، أخطر ما فيها تعميق حالة الانفصال بين الوجدان الجمعي والدولة بتحويل المؤسسة العسكرية لخصم سياسي. ناهيكم عن التمييز بين دماء العسكر والمواطنين، ويكأن الأولون ينتمون لقوة احتلالية وليسوا من رحم المجتمع ذاته.

بعيدًا عن الانفعال، ترتكز الحجة السنية المؤسسة لمشروع العفو على الاستفادة من عاملين استثنائيين لإنصاف الموقوفين: اكتظاظ السجون كمدخل اختراق، والاتفاقية المبرمة بين بيروت ودمشق لتسليم المحكومين السوريين، بالتوازي مع الضغوط الدولية لتسليم غير المحكومين، ومنع إبطاء أو عرقلة الإثنين، ما أدى إلى تعجيل تسليم عدد كبير منهم خلال الأيام الماضية بعيدًا عن الأضواء، حسبما كشفته مصادر نيابية.

في خضم مداولات صيغ العفو بدا الشيخ أحمد الأسير عقدة العقد، حيث تلاقت مصالح "الحزب" والرئيس بري، وجهات سنية سياسية ودينية نافذة، مع توجه لدى الجيش بعدم خروج هذا الاسم بالذات لأسباب متباينة، ليعاد استثمار دماء العسكريين. في المقابل، تطرح أوساط سنية تعمل على إخراج الأسير تساؤلات منطقية:

هل تحلق المزاج السني العام حول الأسير كأيقونة المظلومية تعني أنه يحابي القتلة على حساب دماء العسكريين وكثرتهم الكاثرة من السنة، من "فتح الإسلام" إلى "معارك عرسال"؟ لماذا تتجاهل شيطنة الأسير المستمرة أسباب ظهوره على المسرح السياسي، وارتباطها الوثيق بالاعتداءات المتكررة لجند "الحزب" في الشارع السني وصولًا لرموزه الدينية التي يبجلها؟ ولماذا تقفز فوق إصرار "الحزب" على سحق هذه الظاهرة عسكريًا وقانونيًا ومجتمعيًا لتكون مفتاح إخضاع السنة، والدخول الاحتلالي إلى سوريا محمي الظهر؟

إذاك تشير مصادر مطلعة لحوادث محددة تظهر عدم توازي الصيغ في مبدأية الدماء. من قضية النقيب الطيار سامر حنا، الذي تكشف عن تصفيته بإعدام ميداني على يد عناصر "الحزب" بعد إسقاط طائرته وإنزاله مع "رفيق السلاح" من آل حمود، الذي تعرض للضرب دون قتله لأسباب مذهبية. مرورًا بمقتل الشيخ أحمد عبد الواحد الذي أكد تقرير الطبيب الشرعي حصوله برصاص من مسافة "شبه صفرية"، ولم يسجن أحد، كما هو الحال مع نادر البيومي الذي قضى تحت التعذيب.

وصولًا إلى تفجيري "التقوى" و"السلام" حيث بقي المسار القضائي محدودًا بأسماء قليلة وأحكام مخففة نسبيًا، من دون ملاحقات جدية للرؤوس المتهمة بالتدبيرو التنفيذ، وعلى رأسها علي مملوك. المفارقة أن الاستخدام السياسي المكثف لمسألة الدماء في "أحداث عبرا" تغفل استقرار الملف الاتهامي على 5 فقط في جريمة استشهد فيها 21 عسكريًا.

وإذا كان التنافس على مقاعد بعبدا واليرزة السبب الجوهري في التعامل السالف ذكره، فإنه ما من مبرر لاستمراره في ظل استقرار الحكم. السؤال الذي لم يطرح ضمن هذا البناء الدرامي المتقن ليس من ارتكب الجرائم بل لماذا؟

وهذا ما يقودنا إلى رواية غابرييل غارسيا ماركيز المقتبس منها العنوان، والتي يوظف فيها جريمة شرف للتنديد بطقوسية المجتمع وقسوته، لأنه كان يعلم أن الجريمة ستقع لكنه لم يفعل شيئًا لمنعها رغم عدم اليقين من الجريمة نفسها وفاعلها، لأن المجتمع كان بحاجة لقربان على مذبح الشرف الجماعي. وهذا بالضبط حال الأسير.

من يعود إلى المرحلة التي سبقت "أحداث عبرا"، يلاحظ كيف جرى تحضير مسرح الجريمة تدريجيًا: تحريض إعلامي، توتر متصاعد، تعبئة مذهبية. الجميع كان يدرك إلى أين تتجه الأمور، لكن أحدًا لم يتدخل لمنع الانفجار، إما عجزًا وإما تواطؤا. الفارق اليوم أن الشارع السني يغلي ويقترب من الانفجار بشكل لا ينفع معه أدوية التسكين والتمييع، ولا بناء مقاربة من كتاب "صار قديمًا" لإدارة الغضب.