المخرج رمال أبي يونس

8 أكتوبر و 8 ديسمبر - حين قرّر التاريخ أن يُعيد العدّ من الرقم 8

5 دقائق للقراءة
سكان غزة يحتفلون بوقف النار - تصوير: رويترز

في يومٍ حاسمٍ آخرٍ من أيام المصائر، تحوّل الرقم 8 إلى رمزٍ لانقلابٍ تاريخي فواشنطن تُغلق النار وطهران تخسر أوراقها، ففي 8 أكتوبر أُعلن وقف الحرب في غزة بعد عامين من المعاناة و 8 ديسمبر سقط بناءُ حكمٍ ظلّ يزرع الخراب في سوريا لعقود. هذان التاريخان ليسا مجرد تواريخ؛ هما مفترقان يعلنان نهايةَ زمنٍ من الوكلاء والدمار، وبدايةً لمرحلةٍ جديدةٍ لا مكان فيها لمن رهن بلداننا لسياساتٍ إقليميةٍ تخدم مشروع ولاية الفقيه في لبنان والأجندة الإخوانية الإيرانية المشتركة في المنطقة.

فمن دمشق إلى غزة نهاية نموذج الوكلاء، فإيران استثمرت عقودًا في منظومةٍ من الفصائل والوكلاء من دمشق إلى بيروت إلى غزة لبناء جبهتها في الشرق الأوسط. ذلك الاستثمار السياسي والعسكري انتشل نظامًا دوليًا من نفوذٍ محلي ودمر دولًا ومجتمعات. سقوط الأسد (بأي شكلٍ كان) ووقف الدم في غزة يكشفان هشاشة هذا المشروع: الشبكة لم تُنتصر، بل تُركّت لتدفع ثمنها الشعوب، هذه الحقائق ليست كلامًا عاطفيًا بل نتيجة تراكمية لسنوات من التحليل والوقائع.

وفي لبنان، حزب الله باتت هزيمته السياسية واضحة بعد ان راهن على استمرار محوريّته الإقليمية وجد نفسه في موقعٍ مختلف بعد تقلبات 2024–2025: فضغوط دولية، وخطوات داخلية رافضة، ومحاولات لإضعاف هامش تحرّكاته داخل الدولة اللبنانية. التحولات في سوريا وقرب احتمال تهدئة في غزة تقطّع أوصال الغطاء الاستراتيجي الذي اعتاد عليه، وتزايد من عزلته السياسية والشعبية داخل لبنان.

هذا لا يعني نهاية آنية لحزبٍ مسلّح، لكنه يعني فرصة سياسية لإعادة ترتيب المشهد اللبناني بعيدًا عن وصاية السلاح الغير شرعي.

أما عن الاستقرار في المنطقة وبداية جديدة، فالإستقرار الحقيقي لن يولد من توقيع اتفاقاتٍ جمركية أو تصريحاتٍ إعلامية، بل من اختياراتٍ عملية،

كتفكيك اقتصاد الحروب أمر واجب وتحويل المال الذي سُخّر لتمويل الوكلاء نحو إعادة إعمار ورفاهية المواطنين، ومساءلة المحاسِبين الفاسدين المحليين والإقليميين الذين استغلّوا الحروب لثرواتٍ غير مشروعة، وبناء أجهزة دولة فعلية من جيوش ومؤسسات أمنية مدنية تحت سلطة الدولة، وقضاء مستقل تماما.

أما إذا فشلت النخب الحاكمة في القطع مع اقتصاد الوكلاء، فستبقى المنطقة تراوح بين هزّةٍ وأخرى،

مهما تغيّرت أسماء الأنظمة.

ولبنان اليوم الذي يقف عند مفترقين: إمّا أن يظل ساحةً لتقاسم النفوذ الخارجي، وإما أن يختار طريق الدولة المدنية، فهو لديه فرصة وخطر.

فرصة: هدوء نسبي في الجبهات الإقليمية يخفّف من ذريعة السلاح وبالتالي يفتح نافذة لإخضاع السلاح لسيادة الدولة، ولإطلاق إصلاحات اقتصادية وسياسية طال انتظارها وهذا يحتاج قيادة جريئة ونظام حكم بديل عن منطق الطائفية

خطر: إذا استمرت الطبقة السياسية في توظيف الأزمات كورقة تفاوض، فإن أي هدنة إقليمية ستُستغل لإعادة ترتيب مكتسبات الفئات الحاكمة على حساب المواطن اللبناني الجائع.

فلبنان اليوم يحتاج إلى ثلاث خطوات عملية:

1- وقف سريع للتمويل الخارجي لما يُسمّى "المقاومة" داخل مؤسسات الدولة

2-خطة دولية لإعادة إعمار تستثني الفساد

3-برنامج حكم انتقالي يضع الإصلاحات الدستورية والمالية امام نصب عين كل مواطن لبناني يريد لبنان الدولة من العريضة الى الناقورة.

أما المجتمع الدولي والإقليمي مطالبان بفرض آليات رقابة حقيقية على تسهيل السلاح والتمويل عبر الحدود، والقوى اللبنانية الوطنية مطالبة بالتحالف على برنامج حدّ أدنى: نزع السلاح خارج إطار الدولة، استعادة اقتصاد البلاد، وإجراء انتخاباتٍ شفافة. ولا مجال للمماحكات الأيدولوجية حين تكون الدولة في خطر: إما دولة لكل اللبنانيين، أو مزيد من الانقسام والهيمنة.

في النهاية من سوريا إلى غزة، ومن ايران إلى بيروت، تبدو المنطقة أمام ولادةٍ جديدة قد تكون هذه هي الفرصة الثامنة للشرق الأوسط منذ قرنٍ من الانقلابات والدماء، الفرصة التي قد تعيد تعريف القوة من فوهة البندقية إلى قوة الاقتصاد والعقل.

ف 8/10 و8/12 شكلتا لحظةَ توازنٍ جديدةً فإذا كانت الحروب قد خفّت بصرخةٍ أعلنها رقم 8 في دمشق وغزة، فهي ليست نهاية التاريخ، بل بداية لحسابٍ كبير، الحساب الذي لا يقبل التردد، ولا مجال فيه للعودة إلى لعبة الاحتلال الوكيل.

فلا يكفي أن نحتفي بوقف النار، بل يجب أن نكون يقظين في طريقة البناء بعده، وعلى الشعوب أن تطالب بأن لا يكون السلاح رجل الظل، بل أن تكون الدولة هي اليد التي تحمل السلاح الشرعي، وأن تُكتب في التاريخ بكرامة لا بصراع إما أن نصنع من نهايات الحروب بدايةً لعملٍ مدنيّ حقيقي، أو أن نُعيد تدوير مآسي الماضي في ثوبٍ جديد وعلى اللبنانيين أن يقرّروا الآن:

هل يريدون انقضاض السلاح الذي أفقرهم ودمّر دولتهم

أم يريدون آخر فرصةٍ للنهضة والكرامة الوطنية؟

وهنا هل ما زلنا نذكر ما قالته كونداليزا رايس ؟

فرقم 8 يرسم خريطة جديدة للمنطقة ويفتح باب الشرق الأوسط الجديد

والتاريخ العربي يتوقف عن الدوران في حلقة النار، ليكتب سطره الثامن… سطر الحياة