أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماع لوزراء خارجية دول غربية وعربية استضافته باريس أمس، لمناقشة تشكيل قوة دولية لحفظ السلام والمساعدة في إعادة إعمار غزة بمجرّد توقف القتال، أنه "نبحث في باريس إقامة حكم موَقت لقطاع غزة بوجود فلسطيني" من دون "حماس"، مشدّدًا على أن "اجتماع باريس يتكامل مع المبادرة الأميركية". وجزم أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في ترسيخ السلام في غزة، مؤكدًا أنه "لا بد من نشر قوة دولية لإرساء الاستقرار في قطاع غزة بالتعاون مع الأردن ومصر". واعتبر أن "تسريع وتيرة بناء المستوطنات في الضفة الغربية أمر غير مقبول وتهديد وجودي للدولة الفلسطينية"، مبديًا استعداد فرنسا للعب دور في قوة إرساء الاستقرار في غزة، علمًا أن روما أبدت بدورها في وقت سابق استعدادها لإرسال قوات إذا كانت هناك حاجة إلى قوات حفظ سلام لـ "إعادة توحيد فلسطين". لاحقًا، أكدت الخارجية الفرنسية أن "السلام في المنطقة ضرورة إنسانية واستراتيجية وأخلاقية"، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي لديه بعثتان سيوسّع مهامهما لضمان الأمن في غزة.
وبينما كانت وكالة "فرانس برس" قد أفادت بأن اجتماع باريس سيناقش خصوصًا "قوة الاستقرار الدولية والحكم الانتقالي في غزة والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار ونزع سلاح "حماس" ودعم السلطة الفلسطينية وقوات الأمن الفلسطينية"، أفاد ثلاثة مسؤولين فلسطينيين كبار لوكالة "رويترز" بأن السلطة الفلسطينية تتوقع أن يكون لها دور كبير في غزة في مرحلة ما بعد الحرب، رغم تهميش خطة الرئيس دونالد ترامب لها في الوقت الراهن، إذ تعوّل على الدعم العربي لضمان مكانتها، بصرف النظر عن الاعتراضات الإسرائيلية.
وتنصّ خطة ترامب على أن تتولّى إدارة غزة بعد الحرب، لجنة من الفلسطينيين التكنوقراط بإشراف دولي، ويُلزم السلطة الفلسطينية بإجراء إصلاحات قبل أن تتولّى زمام الأمور. ومع ترحيب السلطة الفلسطينية بجهود ترامب، فإن مسؤوليها أعربوا سرًا عن خيبة أملهم، حيث كانت خطة بديلة وضعتها السعودية وفرنسا أكدت دور السلطة الفلسطينية القيادي في غزة. وأعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالفعل التزامه بالتصدّي للفساد وإجراء الانتخابات وغيرها من الإصلاحات التي تطلبها الدول الغربية، ما ساعد على إقناع بعضها بالاعتراف بفلسطين في الأسابيع القليلة الماضية.
في السياق، شدّد المسؤولون الفلسطينيون لـ "رويترز" على أنهم ما زالوا يتوقعون انخراط السلطة الفلسطينية بعمق في غزة، مشيرين إلى الدور الذي تؤدّيه في القطاع منذ سيطرة "حماس" عليه عام 2007، إذ تدفع الرواتب لعشرات الألوف من الموظفين الحكوميين وتشرف على الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم وإمدادات الكهرباء. واستشهد المسؤولون بالمكانة الدولية للسلطة الفلسطينية بصفتها الهيئة الممثلة للفلسطينيين، وبدعم الدول العربية التي تريد إعادة توحيد غزة والضفة في محاولة للحفاظ على آمال بإقامة دولة فلسطينية.
وأكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى لـ "رويترز" أنه "نحن بالفعل موجودون هناك (في غزة)"، معتبرًا أن "وجود ترتيبات دولية موَقتة للمساعدة ومراقبة الأمور شيء، والحكم وإنجاز الأمور شيء آخر". وتحدّث عن أن كثيرًا من الدول، بما في ذلك الدول العربية، تعتقد أن السلطة الفلسطينية يجب أن تكون "مسؤولة" عن غزة لأسباب أبرزها "أنهم يعلمون أنها الطريقة العملية الوحيدة لإنجاز الأمور"، مشيرًا إلى أن الخطط الدولية في شأن حكم غزة لا تزال في بدايتها، رغم أن الخطة الأميركية تغطي الأساسيات.
ويعمل مصطفى، المسؤول السابق في البنك الدولي والذي كان يدير صندوق الثروة السيادية الفلسطيني ويُعتبر مقرّبًا من عباس، على صياغة خطط إعادة الإعمار منذ توليه منصبه قبل 18 شهرًا. وبدعم من مصر، حدّد مصطفى موعدًا لعقد مؤتمر لإعادة الإعمار بعد شهر من وقف النار، موضحًا أن تقديرات البنك الدولي المحدّثة تشير إلى أن تكاليف إعادة إعمار غزة قد تبلغ 80 مليار دولار. وأكد أن السلطة الفلسطينية رشحت بالفعل نحو 5500 فلسطيني للانضمام إلى قوة شرطة جديدة لغزة تدرّبها مصر. ورأى أن السلطة الفلسطينية حققت "تقدّمًا جيّدًا جدًا" في الإصلاحات المؤسسية.
في المقابل، شكّك الزميل البارز في "معهد واشنطن للأبحاث" الذي خدم سابقًا في السلطة الفلسطينية غيث العمري، في أن يكون للسلطة الآن دور مهمّ في المرحلة الأولى من خطة ترامب، معتبرًا أن الدول العربية قد تنسّق مع السلطة الفلسطينية في شأن التعيينات في لجنة التكنوقراط الفلسطينية المتوقع أن تحكم غزة بموجب خطة ترامب، لكن من دون منحها حق النقض لمنع تعيينات، كما استبعد أن تنفق الدول العربية من رأس مالها السياسي في الضغط من أجل دور أكثر قوّة للسلطة الفلسطينية مبكرًا. ورأى أن إسرائيل لا تريد عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة للحفاظ على الانقسام بين الضفة والقطاع.