أهالي غزة الذين يعلنون فرحتهم بانتهاء الحرب، لا يذكرون اسم "حماس" في أي من تصريحاتهم لوسائل الإعلام، يريدون فقط العودة إلى ما قبل عملية "طوفان الأقصى". يريدون فلسطينهم، من دون إشارة إلى محور الممانعة. أكثر من ذلك، هم يشكرون من ساهم بإنقاذهم من الإبادة، أي الولايات المتحدة والدول العربية.
وبالتأكيد، يراقب "حزب الله" ما يحصل ويخاف. يعرف يقينًا أن جرائم بنيامين نتنياهو ضد المدنيين الفلسطينيين وخسارته التعاطف الدولي هي ما أنضجت صفقة وقف الحرب على غزة، وليس قدرات "حماس" العسكرية ومن خلفها المحور المهزوم وأذرعه، المرفوضة دوليًا، كما نتنياهو، وربما أكثر.
ولمواجهة هذه التطورات التاريخية، نرى "الحزب" يواصل إمعانه في ارتكاب المزيد من الخطوات التحريضية وادعاء قوة وجهوزية غير موجودة، ولا مقومات لوجودها. لذا يستخدم وسائل يعتقد أنها إذا تكرست في أذهان مريديه ووجدانهم، كفيلة بتحصين وجوده واستمراريته. فما إن يُطرح الحديث عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، حتى يأتي الجواب بمونولوغ موحد عن جرائم إسرائيل وإمعانها في قتل الأطفال وسرقة أشجار الزيتون وتحويل قرى الشريط الحدودي إلى أرض محروقة ومنع عودة الأهالي وقطع الطريق بالنار على أي محاولة لإعادة إعمار ما تهدم... وكأنه يكتشف للمرة الأولى الممارسات الصهيونية التي أرغمته على الاستسلام.
وفي حين يوجه مسؤولو "الحزب" تحية للجيش اللبناني... ويتباهون بأنهم تحت سقف الدولة وملتزمون وقف إطلاق النار وعدم الرد على العدوان الصهيوني المستمر.
إلا أن هؤلاء المسؤولين سرعان ما يناقضون مواقفهم بإصرارهم على عدم تسليم للسلاح، واتهام الرئيس نواف سلام بالعمالة للصهيونية، والدولة بالتقصير دبلوماسيًا وسياسيًا للتصدي الجدي للأعمال الإسرائيلية العدائية، ويعيّرون الجيش بعجزه، وهو الذي يحاول قدر المستطاع مواصلة ما أوكل إليه وسط حقل ألغام داخلية وخارجية.
ويضيف "الحزب" إلى طبق الانتقاد والتجييش والشتائم محاولة تكريس مؤامرة مفتعلة ومغرضة لإذلال الشيعة وتهجيرهم، لعلها تبرر قلة الأخلاق في خطابات مسؤوليه وجيشه الإلكتروني.
لكن لماذا يصر "الحزب" على هذه الاستراتيجية التي ستؤذي لبنان بشكل عام والشيعة بشكل خاص؟ ألا يملك إلا السلاح؟؟ ألهذا ينفي فعل الهزيمة ويلقِّن بيئته بأنه حمى لبنان ومنع وصول إسرائيل إلى بيروت؟؟ وهذا أغبى مما يمكن أن يصدقه عاقل وفقًا للمعطيات على الأرض...
وكأن الخرافات وحدها تكفل له استمراريته وتحفظ له جمهوره، وإلا لما شهدنا هذه الحملة المسعورة التي يشنها لتخويف اللبنانيين وليس إسرائيل، وكأن لا وجود لهذا "الحزب" إلا باستغلال الشيعة وتحويلهم أسرى فكريين ومعتقلين في زنازين مصالحه ومصالح محوره ضد مواطنيهم.
لو كان لـ "الحزب" أي حيثية من دون السلاح لسلمه وانخرط في اللعبة السياسية... لكنه خائف وتحديدًا بعد استسلام "حماس"، لذا لجأ إلى إلغاء صوت المنطق، وإعدام العقل والعلم وسلامة التفكير. هذه هي أسلحته الفعلية.