بدأ عشرات آلاف الغزيين بالتدفق في اتجاه شمال قطاع غزة إلى منازلهم المهجورة والمدمّرة، بعد دخول وقف النار بين إسرائيل و"حماس" حيّز التنفيذ وبدء القوات الإسرائيلية الانسحاب من بعض مناطق القطاع ظهر أمس. وبدأت بذلك مهلة تمتدّ لـ 72 ساعة من أجل إطلاق سراح الرهائن، ومن المتوقع أن يُسلّم الرهائن قبل الموعد النهائي المحدّد عند الساعة 12 ظهر يوم الإثنين المقبل في التوقيت المحلّي، فيما سيتم أيضًا، بحسب الاتفاق، إطلاق سراح حوالى 2000 سجين ومعتقل فلسطيني في إسرائيل.
وحول زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنطقة، كشف موقع "أكسيوس" أن ترامب يعتزم عقد قمة في شأن غزة خلال زيارته إلى مصر الأسبوع المقبل، متوقعًا مشاركة قادة وممثلين من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا والسعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا. وأوضح أنه من المتوقع أن يصل ترامب إلى إسرائيل صباح الإثنين بالتوقيت المحلّي، حيث سيلقي خطابًا أمام الكنيست ويلتقي عائلات الرهائن، وفي فترة بعد ظهر الإثنين، سيتوجّه ترامب إلى مصر للقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشاركة في حفل توقيع الاتفاق مع بقية الضامنين لاتفاق السلام في غزة، مصر وقطر وتركيا. وذكر أن القمة في شرم الشيخ ستُعقد على الأرجح صباح الثلثاء، لكن من الممكن أن تُنظم الإثنين، مشيرًا إلى أنه من غير المتوقع حتى الآن أن يحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القمة.
في الغضون، أكد نتنياهو أن القوات الإسرائيلية ستبقى في القطاع لضمان نزع السلاح منه وتجريد "حماس" من أسلحتها في المراحل اللاحقة من خطة ترامب، معتبرًا أنه "إذا تحقق ذلك بالطريقة السهلة فسيكون ذلك جيّدًا، وإن لم يتحقق، فسيكون ذلك بالطريقة الصعبة". وألمح علنًا للمرّة الأولى إلى أن ليس جميع الرهائن الذين لقوا حتفهم أثناء احتجازهم في غزة سيُعادون إلى إسرائيل، مؤكدًا تقييمات سابقة تفيد بأن "حماس" قد لا تكون قادرة على العثور على جميع الجثث أو إعادتها، لكنه جدّد تعهّده بإعادة جميع الرهائن. يُذكر أن اتفاق وقف النار ينصّ على تشكيل قوة عمل مشتركة تُعنى بالبحث عن رفات الرهائن القتلى، وتضمّ ممثلين عن إسرائيل وأميركا ومصر وقطر وتركيا.
توازيًا، حض الجيش الإسرائيلي سكّان غزة على تجنب دخول المناطق الخاضعة لسيطرة قواته، موضحًا أنه منتشر على الخطوط العملياتية وفقًا للاتفاق، وأن انتشار القوات يحدّد بناءً على تقييم الموقف، ووفقًا لما ينصّ عليه الاتفاق وتحليل كلّ المتغيّرات ذات الصلة. وصرّح بأنه "من الطبيعي أننا لن نخوض في تفاصيل تتعلّق بانتشار القوات"، معلنًا استكمال الاستعدادات لاستقبال الرهائن. وأكد أن "حماس" لم تعد كما كانت عند اندلاع الحرب قبل عامين، حاسمًا أنها "هُزمت في كل مكان حاربناها فيه". وجزم بأنه "مستعدّ جيّدًا للعودة إلى القتال" ومواجهة "حماس" إذا احتفظت بسيطرتها على غزة، في وقت أكدت فيه وزارة الداخلية التابعة للحركة في غزة أن أجهزتها الأمنية ستبدأ بالانتشار في المناطق التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي في كافة محافظات القطاع، وأنها ستعمل بشكل حثيث على "استعادة النظام ومعالجة مظاهر الفوضى التي سعى الاحتلال إلى نشرها على مدار عامين".
إلى ذلك، ينصّ الاتفاق على أن تفرج إسرائيل مقابل استعادة رهائنها عن 250 فلسطينيًا محكومين بالمؤبّد في السجون الإسرائيلية، بالإضافة إلى 1700 آخرين اعتقلوا في غزة خلال الحرب. ونشرت العدل الإسرائيلية اللائحة الكاملة للفلسطينيين المحكومين بالمؤبّد الذين ستفرج عنهم، حيث تبيّن أن اللائحة لا تشمل أبرز السجناء الفلسطينيين، كالقيادي في حركة "فتح" مروان البرغوثي، كما غاب اثنين من كبار قيادات "حماس"، إبراهيم حامد وحسن سلامة، عن اللائحة. ومع ذلك، من المقرّر إطلاق سراح محمود قواسمة، عضو بارز في "حماس" اعتُقل للمرّة الثانية في 2024، ومن بين المدرجين أيضًا محمد زكرنة، المدان بالتخطيط لقتل سائق سيارة أجرة في 2009، ومحمد أبو الرب، المدان بتنفيذ هجوم طعن قاتل في 2017.
كذلك من المقرّر إطلاق سراح إياد أبو الرب، قائد حركة "الجهاد الإسلامي" في منطقة جنين في الضفة الغربية، والذي اتُهم بالتخطيط لعدّة تفجيرات انتحارية في أوائل الألفية الثالثة. ووافقت إسرائيل أيضًا على إطلاق سراح باهر بدر، عضو "حماس" الذي اعتُقل عام 2004 لتخطيطه هجمات أدّت إلى مقتل 18 إسرائيليًا. وينتمي السجناء المحكومون مؤبّد المقرّر إطلاق سراحهم إلى عدة فصائل وتنظيمات، حيث توزعوا بين 159 سجينًا من "فتح"، و63 من "حماس"، و16 من "الجهاد الإسلامي"، و12 من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" ومنتمين إلى منظمات أخرى أو غير منتمين إلى أي تنظيم. ووفقًا للاتفاق، سيُرحّل أكثر من نصف هؤلاء إلى دول ثالثة، بينما سيطلق سراح 100 منهم في الضفة.
في الأثناء، أفاد مسؤول أميركي لشبكة "سي أن أن" بأن حوالى 200 جندي أميركي بدأوا بالوصول إلى إسرائيل ضمن جهود لإنشاء مركز تنسيق مدني - عسكري في إطار وقف النار في غزة، لكن من دون وجود أي قوات أميركية داخل غزة. ومن المتوقع أن يكون جميع هؤلاء الجنود في مواقعهم بحلول الأحد، وفق المسؤول الأميركي، الذي أوضح أن الجنود سيركّزون على مساعدة تدفق المساعدات الإنسانية واللوجستية، إضافة إلى تقديم الدعم الأمني لغزة، كما سيراقبون جهود تحقيق الحوكمة المدنية في غزة، فيما سيستخدم مركز التنسيق من قبل عدد كبير من الشركاء الدوليين، بما في ذلك الدول الأخرى، والمنظمات غير الحكومية، وشركاء من القطاع الخاص.
دبلوماسيًا، أكد السيسي خلال اتصال هاتفي مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ضرورة التوافق على كافة تفاصيل مراحل اتفاق وقف حرب غزة وتنفيذه بالكامل، حسب الرئاسة المصرية، التي كشفت أن غوتيريش شدّد على ضرورة نشر قوات دولية في غزة ومنح شرعية دولية لاتفاق وقف الحرب من خلال مجلس الأمن، مشيرًا إلى ضرورة الاتفاق على مسار يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية، بما يضمن عدم الفصل بين القطاع والضفة. وأجرى المستشار الألماني فريدريش ميرتس اتصالًا هاتفيًا بالرئيس المصري، أشاد خلاله ميرتس بدور السيسي ومصر في المساعدة على إنهاء الصراع في غزة، متعهّدًا بمزيد من الدعم الألماني، في حين دعا السيسي ميرتس إلى المشاركة في "الاحتفالية التي سوف تستضيفها مصر بمناسبة إبرام اتفاق" وقف حرب غزة. وعبّر قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا عن ترحيبهم باتفاق غزة، مشيدين بقيادة ترامب لجهود إبرام الاتفاق، وجهود مصر وقطر وتركيا في الوساطة.
في السياق، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن موسكو تدعم مبادرة ترامب لإنهاء حرب غزة، معتبرًا أن ترامب "يفعل الكثير من أجل السلام"، وأنه إذا نجحت خطته في شأن غزة، فسيكون ذلك "حدثًا تاريخيًا بكل المقاييس". ورأى أن مشاركة روسيا في عملية السلام ربّما تكون مطلوبة بالنظر إلى علاقة الثقة التي تجمعها بدول عربية، خصوصًا مع الفلسطينيين.