مارون مارون

الانتخابات الطالبية: استفتاءٌ بطعم الاكتساح

4 دقائق للقراءة

تشكّل الصروح الجامعية في لبنان منذ عقود طويلة رئة الحياة السياسية في البلاد، ومختبراً حقيقياً للتحولات التي يشهدها المجتمع. فالطلاب ليسوا مجرّد جمهور مراقب أو فئة شبابية عابرة، بل هم في صلب الحراك الوطني والسياسي، يساهمون بأفكارهم واندفاعهم في رسم ملامح المستقبل. ومن هنا، تأتي الانتخابات الطالبية السنوية في الجامعات كأحد أبرز المؤشرات على مزاج الشارع الشبابي، واتجاهاته السياسية والفكرية.

في هذا السياق، شكّلت الانتخابات الطالبية الأخيرة في جامعة سيّدة اللويزة NDU والجامعة اللبنانية - الأميركية LAU حدثاً سياسياً بامتياز، إذ أظهرت نتائجها توجّهاً واضحاً لدى شريحة واسعة من الطلاب نحو الخيارات الوطنية السياديّة، ورسّخت مرة جديدة دور الجامعات كمنصات تعبّر عن تطلعات الجيل الجديد إلى دولة القانون والمؤسسات، بعيداً عن المحسوبيات والمصالح الضيقة.

واللافت أن هذه الانتخابات لم تكن فقط ساحة تنافس طالبية، بل شكّلت مقياساً حقيقياً لمدى حضور القوى السياسيّة في الوسط الجامعي. وقد أثبتت النتائج أن محاولات التعبئة والحشد التي قادها مؤسس “التيار الوطني الحر” برفقة رئيسه، في عدد من المناطق اللبنانية لم تؤتِ ثمارها، بعدما أُجهضت في صناديق الإقتراع الطالبية، ووجّهَت رسالة واضحة مفادها أن الشباب الجامعي يملك قراره المستقل، وأنه لا يُستمال بالشعارات الشعبوية أو الإستعراضات السياسية.

في المقابل، برز حضور “القوات اللبنانية” كقوة طلابية منظّمة وفاعلة استطاعت أن تترجم ثقتها في صناديق الإقتراع، وأن تثبت مرة جديدة أنها تمسك بزمام المبادرة داخل الجامعات كما في المجتمع الأوسع. فهذا التنظيم الطالبي الذي بنته “القوات” عبر السنوات، ليس مجرد هيكل حزبي داخل الحرم الجامعي، بل هو شبكة حيويّة من الطلاب المؤمنين بمشروع سياسي واضح المعالم يقوم على السيادة والحرية والعدالة والدولة القويّة.

إنّ انخراط الشباب القوّاتي في هذا المسار ليس تفصيلاً عابراً، بل هو رهان استراتيجي طويل الأمد على جيل قادر على حمل راية التغيير الحقيقي. فقد شكّل الطلاب القواتيون والمناصرين نموذجاً في التنظيم، والمشاركة الفعّالة، والإلتزام السياسي الواعي، ما جعلهم عنصراً فاعلاً في المعادلة الطالبية، وأداة ضغط إيجابية لتصويب البوصلة الوطنية نحو دولة القانون.

هذا الحضور الطالبي المتماسك لـ “القوات اللبنانية” يعكس حجم تأثيرها الإجتماعي والسياسي، ويُظهر أنها ليست مجرّد حزب سياسي تقليدي، بل حركة شعبية متجذّرة في مختلف شرائح المجتمع، وخصوصاً في فئة الشّباب التي تُمثّل طاقة التغيير الأكبر في أي مجتمع. وما حدث في الإنتخابات الطالبية الأخيرة ليس إلا ترجمة عملية لهذا الواقع، ودليلاً إضافياً على أنها القوة الأكثر تنظيماً وفاعلية في الوسط الجامعي.

إن الإنتخابات الطالبية ليست معركة أرقام فقط، بل معركة أفكار ومشاريع وتوجّهات. والرسالة التي خرجت من صناديق الإقتراع في هاتين الجامعتين كانت واضحة: الشباب الجامعي يريد خطاباً سيادياً واضحاً، ومشروعاً جدّياً لدولة حديثة. وقد جاءت نتائج هذه الإنتخابات لتؤكد أن القوى السياسية التي تمتلك رؤية واضحة وتنظيمًا فعّالًا، قادرة على كسب ثقة الطلاب، وأن المستقبل السياسي في لبنان يُصنع من داخل الجامعات، قبل أن يُكرّس في المؤسسات الدستورية...

باختصار، ما جرى في جامعتي NDU وLAU هو استفتاء على خيارات "القوّات اللبنانيّة" القائمة على استعادة الدولة وبسط السيادة، وليس انتخابات طالبية تقليديّة تُجرى مرة كل عام، ما يستدعي قراءة متأنّية للنتائج التي أظهرت أن "القوّات" وحدها تقف على خشبة الحلبة السياسية، ترفع كأس لبنان وراية القضيّة، فيما البقيّة يصطفّون على مقاعد المتفرّجين بوجوه مُتجهّمة، ورؤوس مُنحنية، وألسِنة فقدت القُدرة على النُطق والكلام... والسلام


رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"