د. بولا أبي حنا

القانون عند بري... بين الإنجيل والقرآن و"مزاج السلطة"

3 دقائق للقراءة

من يسمع كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري حول قانون الانتخاب، يظن للوهلة الأولى أننا أمام سلطة تشريعية تلتزم بالقانون ولا تتحرك خارج الكتاب. فقد قال بري:

"القانون عندي أنا كما هو… لا زيادة ولا نقصان… ولا يتقدم عليه إلا الإنجيل والقرآن".

مع احترامنا لشخص الرئيس نبيه بري وخبرته الطويلة في الحياة السياسية، إلا أن تطبيق القانون في لبنان لا يزال يتأثر أحيانًا بتفسيرات انتقائية، مما يحوّل نصوص القانون إلى أداة يمكن توجيهها حسب مزاج السلطة بدل أن تُطبّق على الجميع. ليته يعتمد هذا المبدأ دائمًا ويطبّق القانون كما يجب، بلا لفٍّ أو التفاف، بلا تأويل حسب مزاجه أو وفق مصالحه ومصالح بيئته. فالقانون ليس أداة ليُستخدم انتقائيًا، بل هو مرجع ثابت يجب الالتزام به.

قبل الغوص في عمق الموقف، لا بد من العودة إلى نصّ القانون نفسه. فقانون الانتخاب اللبناني رقم 44/2017 يمنح المغتربين حق الاقتراع في الخارج، لكنه يخصص لهم ستة مقاعد فقط تمثل الاغتراب، لا جميع الـ128 نائبًا كما يرى بعض النواب والحقوقيين. وهذه النقطة تثير التباسًا كبيرًا، لأنها تتعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين أينما وُجدوا. فالمغترب، وإن ابتعد جغرافيًا، يبقى مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، ومن حقه أن يشارك في اختيار ممثلي الأمة جميعهم، لا أن يُحصر تمثيله في دائرة رمزية أو رقمية محدودة. وقد قُدمت مقترحات لتعديل القانون، لكنها لم تُدرج على جدول أعمال الجلسات، ما يوضح كيف يمكن لرئيس المجلس التحكّم بجدول الأعمال وإيقاف أي تعديل حتى لو وافقت عليه غالبية النواب.

يُظهر هذا الواقع أن المشكلة الأساسية ليست في نص القانون فحسب، بل في كيفية تطبيقه وتفسيره، إذ يتحول القانون في هذه الحالة إلى أداة يمكن توجيهها حسب مزاج السلطة، بدل أن يكون قاعدةً راسخةً ومرجعيةً حاسمةً تطبَّق على الجميع.

غياب مبدأ فصل السلطات الفعلي وتوازنها جعلا الدولة رهينة سلطة واحدة تتصرف وكأنها الوصي على الدستور. والمطلوب اليوم إحياء روح الـchecks and balances، أي الرقابة المتبادلة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث تراقب كل سلطة الأخرى وتحد من تجاوزاتها، في إطار ديمقراطي يضمن احترام القانون لا استغلاله. كما شدّد الفيلسوف السياسي الفرنسي مونتسكيو Montesquieu في كتابه الشهير "روح القوانين" 1748، على أن الدولة يجب أن تُقاد عبر فصل السلطات الثلاث، بحيث تراقب كل سلطة الأخرى وتقيّد تجاوزاتها. هدفه كان منع استبداد أي سلطة وضمان أن تكون قيادة الدولة خاضعة للقانون وليس لمزاج شخص أو فئة معينة. هذا المفهوم أصبح لاحقًا أساسًا للدساتير الحديثة مثل الدستور الأميركي، ويؤكد أن العدالة والسلطة يجب أن تكونا متوازنتين، وأن لا أحد فوق القانون.

ولعلّ المثل الذي قاله الرئيس بري نفسه ينطبق على المشهد بأكمله: "الشمس شارقة والناس قاشعة"

فالجميع يدرك الحقيقة، وأن المسألة لم تعد مسألة نصوص، بل مسألة إرادة سياسية في احترام النص. اللبنانيون يعرفون جيدًا أن العدالة لا تتحقق بالكلام عن القانون، بل بتطبيقه على الجميع من دون استثناء، وأن من يمسك بزمام التفسير يحتكر عمليًا الحكم والسلطة. في النهاية، إذا كان القانون عند نبيه بري، فإن العدالة، بلا شك، تبقى عند الشعب.

أستاذ جامعية