لا تُختزل المتاحف في كونها أماكن للعرض أو مستودعات للحفاظ على التحف الفنية، بل هي مرايا تعكس ذاكرة الشعوب، وجسور تصل بين الماضي والحاضر والمستقبل. وفي مدينة توليدو الإسبانية، العاصمة القديمة للإمبراطورية ومفترق الطرق بين الحضارات، يتجدّد هذا الدَّور الحضاريّ مع انطلاق مشروع "متحف الفن الديني المعاصر" داخل الكاتدرائية الكبرى، في الشقق الملكيّة السابقة للملكة "إيزابيل الكاثوليكية". هذا المشروع، الذي بدأت أولى محطاته في 10 أيار 2025 بافتتاح "معرض وجوه المسيح" (Rostros de Cristo) ، يضيف إلى المدينة بعدًا جديدًا يزاوج بين عمق التراث الكنسي وروح الإبداع الفني الحديث. وهو يعيد إلى الواجهة سؤال الصورة المقدّسة في زمن العولمة الرقميّة.
حتى الآن لا يحمل المشروع اسمًا رسميًا محدَّدًا، غير أنّ الجمهور والإعلام اختارا له عنوان معرضه الافتتاحي "وجوه المسيح". ولم يكن هذا الاختيار مجرّد تسمية عَرَضية، بل تلخيص رمزيّ لهوية المشروع وروحه، إذ يسعى إلى البحث عن تجلّيات وجه المسيح في أعمال الفنانين المعاصرين وتقديمها في فضاء يجاور أعرق روائع الفن الديني الغربي.
في قلب الكاتدرائية القوطية الشامخة، وبين جدران القاعات التي كانت مسكنًا لملوك إسبانيا، يتنفس هذا الفضاء الجديد، حيث تتجاور عظمة الماضي مع حيوية الحاضر في حوار مفتوح بين الأزمنة.
جغرافيا الروح وتاريخ الصورة
يصعب فهم مغزى هذا المشروع من دون العودة إلى تاريخ توليدو نفسها. فالمدينة التي جمعت الكنائس والمساجد والمعابد اليهودية، واحتضنت الإرث الروماني والبيزنطي والإسلامي والقوطي، كانت على الدوام بوتقة للفنون والديانات. في أزقتها الضيّقة وصروحها المهيبة عاش الناس قرونًا من التبادل الثقافي، حيث استعارت العمارة المسيحية عناصر من الفن الإسلامي، وأثرت الزخرفة اليهودية في الكنائس، وتجاورت المآذن مع الأبراج القوطيّة.
توليدو كانت أيضًا عاصمةً للصورة في زمن العولمة الأولى. فمع اكتشاف القارة الأميركية وانتشار الطباعة في أوروبا، انطلقت منها الصُّور والنقوش واللوحات إلى العالم، حاملة معها وجوه المسيح والعذراء والقديسين كأدوات للتبشير والتثقيف الروحي.
لكن، لماذا الآن؟
المفارقة أنّ كاتدرائية توليدو، بكل عظمتها الفنية، تكاد تخلو من أعمال تعود إلى القرنَين العشرين والواحد والعشرين، إذ ابتعدت الكنيسة الكاثوليكية منذ أكثر من نصف قرن عن الصورة الدينية في محاولة للتقارب مع الحساسيات البروتستانتية واليهودية والإسلاميّة التي تتحفظ على تمثيل المقدسات. لكن هذا الغياب بات أكثر إشكاليّة اليوم، في عصرٍ تهيمن فيه الصورة الرقميّة التي تتجاوز الكلمات وتنتشر بلمح البصر. الصُّوَر تسكن جيوبنا عبر الهواتف الذكية، وتفرض على الكنيسة إعادة النظر في حضورها البصري. ومن هنا جاءت فكرة إعادة الاعتبار للفن الديني المعاصر، وإيجاد مكان له وسط هذا التراث العريق.
لحظة رمزية
انبثق المشروع بمبادرة من "أبرشية توليدو"، استعداداً للاحتفال بمرور ثمانية قرون على بدء بناء الكاتدرائية (1226–2026). وبعد تجهيز الشقق المَلَكيّة والدَّير العلويّ، افتُتح في 10 أيار 2025 "معرض وجوه المسيح" في احتفال ترأسه المطران فرانسيسكو سيرّو تشافيس، معلنًا انطلاق توجّه ثقافي جديد في علاقة الكنيسة بالفن. كانت تلك اللحظة إعلانًا بأنّ توليدو، بما تحمله من رصيد روحيّ وفنيّ، قادرة على احتضان المعاصرة كما احتضنت عبر العصور تنوُّع الحضارات.
الرسالة الأساسية للمتحف هي إعطاء الفن المسيحي المعاصر شرعيّة وحضورًا داخل فضاء مقدّس. فهو يكرّم الأعمال التي تجسّد الأسرار المسيحية اليوم، ويعيد الاعتبار للأيقونوغرافيا المسيحية الحديثة. إنه حوار بين الإيمان والإبداع، بين اللاهوت والجماليّات، بين الكلمة والصورة. وكما أوضح المطران سيرّو، فالهدف تشجيع الفنانين على استكشاف "حساسية جديدة ومنظور مختلف حول المواضيع الدينية".
في هذا السياق لعب جامع الأعمال الدنماركي شتين هايدمان (Steen Heidemann) دورًا محوريًّا، إذ كلّف عددًا من الفنانين بإعادة تفسير لوحة "التعرية" (El Expolio) الشهيرة لإلغريكو (El Greco) المعروضة في الكاتدرائيّة، ليصبح الحوار بين الماضي والحاضر ملموسًا أمام أعين الزائرين.
النواة الأولى
يستند المعرض الافتتاحي للمشروع إلى المجموعة الخاصة التي جمعها هايدمان منذ العام 2000، وتضم نحو 150 عملًا فنيًّا بين لوحات ومنحوتات أنجزها أكثر من أربعين فنانًا معاصرًا من أنحاء العالم. من بين الأسماء المشاركة هيلين لوغران (فرنسا)، جيمس لانغلي (الولايات المتحدة)، راوول بيرزوسا (إسبانيا)، أنطونيو تشيكوني (إيطاليا)، إضافة إلى فنانين من البرازيل وتنزانيا وغيرها. هذا التنوّع يعكس عالميّة صورة المسيح وتعدّد وجوهه بتعدّد الثقافات التي تراه.
ولا يقتصر المشروع على المعرض الدائم، بل يطمح إلى أن يكون فضاءً متجدِّدًا. إذ تخطّط الأبرشيّة لتنظيم معارض موقتة وفعاليات فكرية وثقافية، مثل المؤتمرات والحوارات الفنية حول صورة المسيح في الفن. ويشير موقع "Faces of Christ Collection" إلى أنّ البرنامج يشكّل "اللّبنة الأولى في فضاء متحفيّ مخصَّص للتمثيل البصري للمسيح"، مع مَعارض لاحقة وجولات خارج إسبانيا. وهكذا يتحوّل المشروع من مكان ثابت إلى متحف حيّ ينفتح على العالم.
حين يتحدث الحجر
اختيار الموقع لم يكن اعتباطيًا، فالمعرض يحتل الشقق المَلَكية السابقة للملكة إيزابيل الكاثوليكية والدير العلوي للكاتدرائية. هذه القاعات التاريخيّة ليست مجرّد جدران صامتة، بل جزء من التجربة الروحية للزيارة. ويبلغ الحوار بين الماضي والحاضر ذروته عند المرور بقاعة الـ "Sacristie"، حيث تُعرض لوحة "التعرية" لإلغريكو إلى جانب أعمال معاصرة مستوحاة منها. هكذا يصبح الزائر شاهدًا على سلسلة متصلة من التعبير الفني تؤكد أنّ الإبداع الديني لم يتوقف عند لحظة تاريخية.
باحث عن وجه المسيح
قصة شتين هايدمان تضفي على المشروع بعدًا إنسانيًا مؤثرًا. فهذا الدنماركي، المنحدر من أسرة بروتستانتية ملحدة، عاش تجربة تحوُّل روحي عميقة حين وجد نفسه فجأة أمام "سرّ القربان". خرج من الكنيسة كاثوليكيًّا من دون التخطيط لذلك، ومنذ تلك اللحظة بدأ رحلة البحث عن وجه المسيح في الفنون. جمع هايدمان منذ العام 2000 أعمالًا لفنانين معاصرين حول هذا الموضوع، ونظّم لها معارض في أوروبا وأميركا. وعندما التقت رؤيته مع حاجة توليدو إلى مجموعة معاصرة، وُلد هذا المشروع الجديد. وما يميِّز المجموعة أنها ليست مرتبطة بمؤسسة كنسيّة أو سوق فنيّة، بل إنها ثمرة مبادرة شخصية، ما يمنحها صدقًا وبُعدًا روحيًّا خالصًا.
عولمة ثانية للصورة
وإذا كانت توليدو في الماضي مركزًا للصورة في زمن الاكتشافات الكبرى والطباعة، فإنها اليوم تستعيد هذا الدَّور في زمن العولمة الرقميّة. فالصورة المقدّسة، الخفيفة المحمولة، يمكن أن تنتشر عبر الشبكات بسرعة الضوء لتصل إلى كل بيت وجَيب وهاتف. هكذا يصبح "متحف الفن الديني المعاصر" أكثر من مشروع محليّ، إنه دعوة عالميّة لإعادة التفكير في دَور الفن والصورة في حياتنا الروحية والثقافية.
يجسّد هذا المشروع إذًا، لحظة مصالحة بين الكنيسة والفن المعاصر، بين التراث والحداثة، بين الماضي والمستقبل. إنه إعلان أنّ توليدو، المدينة التي جمعت الحضارات والأديان، ما زالت قادرة على أن تكون مركز إشعاع عالمي وأن تمنح العالم من جديد صُوَرًا تلامس الروح وتثير التأمل.
لقد أصبح وجه المسيح، بتجليّاته المختلفة، جسر حوار بين الثقافات والفنانين، وبين المؤمنين والباحثين عن المعنى. وفي هذا المعرض، يجد الزائر نفسه أمام مرآة لا تعكس فقط ملامح المسيح، بل ملامح الإنسانية جمعاء.

