يعرض كتاب "الموارنة والشيعة في لبنان: التلاقي والتصادم" للباحث والكاتب السياسي أنطوان سلامة، وقائع تاريخيّة في سياق تفكيك العلاقات بين الموارنة والشيعة. ويُطرح السؤال: لماذا الاستنسابُ وتضييق عملية التفكيك بين طائفتَين لبنانيّتَين؟ ماذا عن بقيّة الطوائف؟ إذ لا يمكن عزلُ الطوائف اللبنانيّة بعضها عن بعض في تاريخ لبنان، فهي تتداخلُ في الجغرافيا وفي الحدث. تفرضُ الحتميّة السرديّة في معالجة تاريخ أيّ طائفةٍ أو طائفتين وأكثر، الغوص في تاريخ لبنان. من هنا، يشدّد هذا الكتاب الصادر عن "دار نوفل/ هاشيت أنطوان"، على إظهار العلاقات المارونيّة الشيعيّة على نحوٍ مرتبطٍ بالتاريخ العام، فيما تحضرُ الطوائف كلّها تلقائيًّا في حبكة النصّ. وفي ما يلي فصل من الكتاب، بعنوان "العصبيتان الدينيّتان: أزمةُ المكان"، تنشره لكم "نداء الوطن".
إذا غربلنا الانتماءَين، المارونيّ إلى جبل لبنان، والشيعيّ إلى جبل عامل، تستقرّ في الغربال، عصبيّة الإيمان الديني التي تحدّد أيّ انتماءٍ آخر.
فالمارونيّة التي ترسّخت في جبل لبنان ترتكز على بطريركيّة وموروثات دينيّة ودنيويّة، وترتكز العامليّة على التشيّع وبنًى مدنيّةٍ ودينيّة. يغلب في الحالتين، اعتقاد معظم الموارنة والشيعة، بأنّ جبل لبنان مهما كان حجمه، حفظ "المارونيّة" كتراث روحيّ، وكيان وجوديّ، وحفظ جبل عامل التشيّع كخطٍ إسلاميّ اجتهاديّ، وكحصنٍ يجمع الدِّين والتفرّد فيه.
لا يرسم جبل لبنان وجبل عامل الحدود النهائيّة والانطوائيّة أو الانعزاليّة للجماعتَين المارونيّة والشيعيّة، مع أنّ "الانعزاليّة" صفةٌ أساسيّة في العصبيّة الطائفيّة. ففي تطوّرٍ "رهبانيّ" حديث يبرز خط يَعتقد أنّ المارونيّة أبعد من مكان، أي أبعد من أنطاكية وجبل لبنان، فانتماؤها الكاثوليكيّ التاريخيّ، أعطاها بعدًا عالميًّا، يتحوّل فيه لبنان مع هجرة الموارنة وانتشارهم في العالم إلى "رمز"، تمامًا كما تحوّلت أورشليم، أي القدس، عند كاثوليك العالم إلى "أورشليم السماويّة" المُنعتقة من المكان المحدود جغرافيًّا.
في المقابل، شدّد العلّامة السيّد محمّد حسين فضل الله على "الحالة الإسلاميّة" حيث تنخرط فيها "الشيعيّة الاثنا عشريّة" كخطٍ "اجتهاديّ – عقلانيّ"، وبهذا المعنى تتخطّى الشيعيّة أمكنتها الأولى إلى "عالميّة الإسلام".
اعتقد الأب ميشال حايك أنّه "بعد أكثر من خمسة عشر قرنًا... المارونيّة لا تنحصر في كنيسةٍ ولا تُحدّ بأرض، لأنّها من شمولية إيمانها الكاثوليكيّ، من انبثاثها الجغرافيّ في كلّ القارّات، ومن تعدّد تعابيرها الثقافيّة، تتخطّى حدود وطنٍ معيّن". ويستطرد الأب حايك بـ "أنّ شعلة الحبّ" لا تزال "متأجّجة" في "القران" بين المارونيّ والأرض، أي المكان اللبنانيّ.
هذا البعد الكاثوليكي الذي وسّع أفق الموارنة إلى العالميّة، أسّس له الموارنة الأوائل، بعد المجمع الخلقيدونيّ. يصف المطران يوسف الدبس غيرة الموارنة على "الإيمان الكاثوليكيّ والمجمع "الخلكيدوني" (الخلقيدوني) بالـ "حميّة" وما كان لهم من "الإجلال للبابا لاوون القدّيس، الذي أمر بعقد هذا المجمع" عام 451 م في مواجهة النسطوريّة واليعقوبيّة، اللتَين ميّزتا طبيعة المسيح الإلهيّة عن طبيعته البشريّة .
نقلت هذه الكاثوليكيّةُ الرعيّةَ المارونيّة من مكانها الأول الذي قام في محيط الأديار الرهبانيّة، إلى الانتشار في زوايا الأرض. وأدركت البطريركيّة والرهبانيّات هذه القوّة الكاثوليكيّة في الاندماج عالميًّا، تماثلًا مع نمطٍ كنسيّ عامّ، يتمثل خير تمثيلٍ في الرهبنة الكرمليّة التي انطلقت كـ "رهبنة إخوة سيدة جبل الكرمل" المسمّى مَن ينتسب إليها بالكرمليّين (أو الكرمليت)، تأسيسًا في القرن الثاني عشر، في مملكة بيت المقدس، وتحديدًا في الجبل المحاذي لحيفا في فلسطين الذي ظهر فيه النبيّ إيليا. وانتشرت في العالم، انطلاقًا من أرض فلسطين وصولًا إلى أستراليا والولايات المتّحدة الأميركيّة وكندا، مرورًا بدولٍ أوروبيّة منها إسبانيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا...
ولعلّ الخطوة المارونيّة البارزة التي رافقت الانتماء إلى الكاثوليكيّة الغربيّة، هي اعتماد الموارنة خطَّين متوازيَين في الأداء العام؛ ففيما قاتلوا من أجل حرّيتهم في محيطهم الإسلاميّ، تخلّوا منذ القرن السادس عشر عن لغتهم الأمّ – السريانيّة، لأسبابٍ عديدة، منها الضغط العبّاسيّ، والحاجة الحياتيّة للاندماج مع المسلمين في محيطهم العربيّ المتعدّد القوميّات ولغاته، ومنها الكرديّة. ويتردّد أنّ الفاتيكان شجّعهم على التحدّث باللسان العربيّ، لكي يكونوا صلة الوصل له مع مسلمي المنطقة.
وسيؤدّي رجال دين ودنيا من الطائفة المارونيّة دورًا بارزًا ومُكلِفًا في مواجهة التتريك، وفي الحفاظ على اللّغة العربيّة وسيلةَ تعبيرٍ وكتابة، بعدما ابتدعوا، في المرحلة الانتقاليّة بين اللغتَين، الكرشونيّة، وهي اللغة السريانيّة المعرّبة.
هذه العالميّة والإقليميّة والمحليّة معًا، مع التعلّق بالأرض كرمزٍ عند الموارنة، مال إليها العلّامة فضل الله في حديثه عن "الحالة الإسلاميّة"، فتوّج مسارًا شيعيًّا تصاعديًّا، ينطلق من المكان العامليّ إلى رحابٍ أوسع.
فمن العامليّة التي يصفها وضّاح شرارة بأنّها "نسب أهليّ وقبليّ وقرابيّ" تخطّى العامليّون "رابطة محليّة وتاريخيّة ومذهبيّة دينيّة" في جبل عامل والسهل، إلى الانخراط في النسيج اللبنانيّ بعد عام 1920، بعدما أيّدوا المحاولة التي قادها الشريف حسين لإنشاء الوطن العربيّ الكبير وفشلت. فحرّرهم النظام الطائفيّ اللبناني من "التبعيّة" التي فرضها عليهم العثمانيّون طويلًا، فاعترف "لبنان الكبير" الانتدابيّ، عام 1926، بالمذهب الجعفريّ تمايزًا عن السُنّة، وتبوّأ ممثلوهم المنصب الثاني في الجمهورية المستقلّة، عرفًا، أي رئاسة مجلس النواب، منذ عام 1943، وأنشئ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بين عامَي 1967 و1969، ليُحدث الإمام موسى الصدر من خلاله تغييرات في "المعادلة داخل النسيج السياسيّ" بشكلٍ بارز، حتّى إنّ النائب السابق فريد الخازن يقول: "ما من طائفة أخرى في لبنان ما بعد 1943 أطلقت شخصيّةً دينيّة" مماثلةً في التأثير كالإمام الصدر .
حاول العلّامة فضل الله توسيع الآفاق الشيعيّة إلى أبعد من الصروح العامليّة والعراقيّة والإيرانيّة التقليديّة، إلى مساحةٍ إسلاميّة أوسع، فتحدّث عن حراك "الحالة الإسلاميّة" التي "تمثّل وحدة المسلمين الشعوريّة"، وأضفى على الإسلام "العالميّة"، لأنّ "الإسلام أكّد التعايش في مجتمعه مع اليهود والنصارى".
وفي حديثه إلى مجلّة "الدراسات الفلسطينية"، شجّع على حوارٍ إسلاميّ مسيحيّ يهوديّ "يضع في أول عناوينه خروج اليهود الطارئين على فلسطين من فلسطين، وبقاء اليهود الذين كانوا فلسطينيّين إلى جانب المسيحيّين والمسلمين ليعرفوا كيف يديرون التعايش معهم".
نقض العلّامة فضل الله مقولةً شائعة، هي أنّ العالم الإسلامي ليس "بناءً أحاديّ الحجر"، فثمّة "إسلام إيرانيّ، إسلام تركيّ، وهنديّ، وأندونيسيّ، وماليزيّ..." ، فأكّد أنّ الشيعة ركنٌ في البناء الإسلاميّ المتكامل.
في الاتجاه نفسه، وبلغةٍ مغايرة ذات طابع سياسيّ – اجتماعيّ، يدعو نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام محمّد مهدي شمس الدين، الشيعة، إلى أن "يندمجوا في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعًا خاصًّا يميّزهم عن غيرهم" .
سبقهما الإمام موسى الصدر في برهنة انفتاح الإسلام على الثقافات الأخرى، وانفتاح التشريع الإسلاميّ على العصر "بتوجيهه وتلبية حاجات الإنسان الحديث".
