تلاقت في الأيّام الماضية ردود فعل على ثلاث حروب أساسيّة بتاريخ بلادنا والمنطقة: معارك 13 تشرين 1990 في لبنان؛ غزوة 7 تشرين 2023 في غزّة؛ وحرب الإسناد التي بدأت من جنوب لبنان في اليوم التالي بعد غزوة غزّة. لم تكن هذه المعارك قدرًا لا مفرّ منه. كلّها جاءت نتيجة قرارات قادة معروفين بالاسم: 13 تشرين أتت في خاتمة سياق أطلقه ميشال عون، رئيس الحكومة الانتقاليّة في لبنان آنذاك، الذي خاض حرب التحرير ضدّ حافظ الأسد واعدًا بـ "تكسير رأسه"، قبل أشهر من سقوط آخر معقل لبناني حرّ في قبضة الاحتلال السوري. غزوة غزّة خطّط لها يحيى السنوار. وحرب الإسناد، التي قال حسن نصرالله إنّها بدأت بـ 8 تشرين، أطلقها الزعيم الراحل لـ "حزب اللّه" باعترافه هو. نعلم اليوم أن نتائج هذه القرارات كانت كارثيّة على المجتمعات التي تمّ خوض المعركة باسمها في لبنان وفلسطين. حرب التحرير، وغزوة غزّة، وحرب الإسناد، هزائم موصوفة. ولكننا نعلم أيضًا أنّ القادة الثلاثة وراء هذه المعارك هم أيقونات مريديهم، من القواعد العونيّة المفتونة بـ "الجنرال"، إلى قواعد "حماس"، و"حزب الله". ومع أنّ وقوف مسيحيّين لبنانيّين في محور واحد إلى جانب أصوليّين خمينيّين شيعة، وأصوليّين سنّة بغزّة خرجوا من رحم الإخوان المسلمين، لا يمكن فهمه بسهولة، فهناك مسألة واضحة تجمع بين القواعد الثلاث عنيت محض الولاء لقادة يظلّون محبوبين ولو هُزموا. تطرح هذه المسألة أسئلة مركزيّة تستحق التوقف عندها: لماذا يحتفل أصحاب الهزيمة بها؟ وكيف يصير القادة الذين يأخذون مجتمعاتهم إلى محرقة رموزا لشرائح واسعة منها؟ ما الخطب هنا؟
أبدأ القول إن الافتتان بالقادة مهما فعلوا ليس بالضرورة ظاهرة عالميّة لا مفرّ منها. قبل سنوات قليلة، شكّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خرقًا في الحياة السياسيّة في بلاده، ووصل إلى السلطة مدفوعًا بتيّار شعبي جارف هز ثنائيّة يمين / يسار التقليديّة في فرنسا. اليوم، ماكرون جثة سياسيّة، مع أنّه لم يقد بلاده إلى هزيمة من طراز الهزائم المذكورة في هذا المقال. ولا الرئيس الأميركي السابق جو بايدن جرّ بلاده إلى محرقة؛ هو فشل وحسب بحلّ مشكلة شديدة التعقيد مرتبطة بالتضخم وغلاء الأسعار. كانت النتيجة انفكاك ما يكفي من ناخبي الحزب الديمقراطي عنه لتسهيل انتقال السلطة إلى دونالد ترامب. وشعبيّة الأخير تتراجع في الولايات المتّحدة بحسب آخر استطلاعات الرأي فيها، لا سيّما أن مشكلتي التضخم والغلاء مستمرّتان. يخطر أيضًا في البال هنا وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني الذي قاد بلاده للفوز بالحرب العالميّة الثانية، ثمّ خسر أوّل انتخابات بعدها لصالح قائد عمّالي مغمور، لأنّ الجمهور البريطاني تململ من الظروف المعيشيّة. وسواء تحدّثنا عن مؤيّدي ماكرون، أو بايدن، أو ترامب، أو تشرشل، يبدو تعاقدهم مع قادتهم مشروطًا، وتاليًا، قابلًا لإعادة النظر، أقلّه عند شرائح وازنة منهم. في المقابل، عبادة عون، والسنوار، ونصراللّه مسألة مختلفة.
كيف يمكن تفسير ذلك؟ هل يمكن المحاججة أنّ المجتمعات التي يلعب الإيمان الديني دورًا كبيرًا بتحديد وعيها، تكون مفطورة على الخوارق والماورائيّات، ويسهل عليها تاليًا الإيمان بقادة مخلّصين على المستوى السياسي كما تؤمن على المستوى الديني بعقائد غيبيّة هي بالضرورة متخففة من الحاجة لتحكيم العقل والمنطق؟ هل هناك، بمعنى آخر، من ينقل انسياقه وراء مخلّص ديني إلى انسياق وراء مخلّص دنيوي هو زعيم منزه عن النقد مهما صار؟ إن صحّ هذا الافتراض، فهو يعني أنّ تشكّل كتلة علمانيّة واسعة في المجتمعات شرط سابق لإمكان قيام حياة سياسيّة حديثة فيها.
هل المسألة، في المقابل، أن المجتمعات المهزومة تبحث عن منقذ ينتشلها من هزيمتها بسحر ساحر؟ تاريخ مسيحيّي المنطقة، وشيعتها، وفلسطينيّيها، تراجيدي. ربّما يكون الإيمان الشديد بقائد متمرّد على ستاتيكو الإحباط والهزيمة الوجه الآخر لتوق جماعي رافض لواقع لا يطاق.
أم المسألة مسألة نظام تربوي يقوم على التلقين والحفظ، لا التفكير والنقد، ينتج أجيالًا من حملة شهادات متعلّمين، ولكن غير مثقفين، وغير قادرين تاليًا على تفكيك البروباغندا السياسيّة متى تحكّمت بوعيهم؟ أم المسألة مسألة وسائل إعلاميّة غير حرّة، يعمل فيها جيش صغير من محترفي تسطيح الوعي وأسطرة الزعامات؟ أم أن فقدان المجتمعات، بسبب الهجرة، لأكثر عناصرها حيويّة، يحكم عليها بالركود؟
أطرح أسئلة، ولا أعطي أجوبة، لأنّني لا أملكها. قد تكون كلّ هذه العوامل في صميم المسألة، وقد يكون الجواب في مكان آخر تمامًا. الأكيد، في المقابل، أنّ العلاقة مع النخب الحاكمة يفترض أن تكون شرطيّة، والولاء قابلًا لإعادة النظر به، حسب النتائج. النخب المطمئنة لولاء قواعدها مهما فعلت تأخذها لكوارث تبقى محققة ولو رافقها الكثير من الهتاف، وهستيريا الجموع، وصيحات التأييد.