الدكتور سايد حرقص

13 تشرين: مأساة... أوقفوا المتاجرة بها

4 دقائق للقراءة

​في صباح 14 تشرين الأول 1990، استقبلته بعد أكثر من سنة على الفراق. لم يكن أبي يشبه الشخص الذي ودعته منذ سنة في اليرزة - بعبدا. اختفى ذلك العنفوان الكبير، وهجرته تلك النبرة الرجولية العالية. كان شبح إنسان ممزق الثياب، مهان الكرامة، مطأطئ الرأس، مهزوماً؛ صورة مصغرة عن الوطن الذي آمن به وسار معه وراء "مخلص"، وأدرك في لحظة الحقيقة أنه كان يسير وراء وهم... وراء إنسان لا يجيد إلا بيع الأوهام.

​في كل عام يعود 13 تشرين الأول ليذكّر اللبنانيين بيوم أسود من تاريخهم، يوم سقطت فيه آخر معاقل الشرعية الوطنية تحت وطأة الجيش السوري، وانكسر فيه حلم لبنان الحرّ والسيّد. هو يوم تتداخل فيه البطولة بالخيانة، والشجاعة بالتخاذل، والنبل بالانتهازية. ففي حين قاتل الجنود اللبنانيون بشرف حتى الرمق الأخير، كانت القيادة السياسية والعسكرية تتهاوى وتنجو بنفسها، تاركة أبناءها في الميدان يواجهون مصيرهم وحدهم.

​القائد الذي قال: "تستطيعون سحقي، لكن لا تستطيعون أن تأخذوا توقيعي"، عاد عن كلامه ووقع بكل بساطة صك الاستسلام. في كتابه "موت جمهورية" يروي ألبير منصور، الذي كان وزير الدفاع في حكومة الرئيس سليم الحص في مرحلة 13 تشرين، أنه: "مساء يوم الجمعة في الثاني عشر من تشرين الأول 1990، وقَّع ميشال عون وثيقة من تسعة بنود يعترف في أحدها برئاسة إلياس الهراوي وبشرعيته". كما أن ميشال عون شخصياً عاد واعترف في حديث مع جريدة "الحياة" نشر في 13 تشرين الأول 1992 بصحة الوثيقة وبصحة توقيعه عليها.

​في ضهر الوحش والدوار وسوق الغرب وبيت مري، سالت دماء الجنود دفاعاً عمّا تبقّى من كرامة وطنية. الكتيبة 102 صمدت حتى الإبادة، والمغاوير أوقفوا تقدّم الدبابات، وتلامذة المدرسة الحربية حاربوا حتى النهاية. هؤلاء هم أبطال 13 تشرين، لا أولئك الذين ظهروا لاحقاً على الشاشات يبيعون البطولة في سوق النخاسة السياسية. أولئك الذين لا يجيدون إلا المتاجرة بالأوهام، والذين على أيديهم سقط لبنان الحرّ، وعلى طريق هروبهم قامت مرحلة جديدة من التبعية والذل.

​لكن المأساة لم تتوقف عند حدود الهزيمة العسكرية، بل استُكملت في ما تلاها من تزوير للذاكرة واستغلال للتاريخ. فقد تحوّل 13 تشرين في السنوات الأخيرة إلى مناسبة للمتاجرة السياسية، يُستحضر فيها الألم لتلميع صور بعض السياسيين الذين لا علاقة لهم بتلك التضحيات. أولئك الذين لم يحملوا بندقية يوم المعركة، نصبوا أنفسهم ورثة للشهداء وأوصياء على ذكراهم. وهذا انتحال صفة لا يقلّ فداحة عن الهزيمة نفسها.

​الذين قاتلوا واستُشهدوا في 13 تشرين لم يفعلوا ذلك طمعاً بمجدٍ شخصيّ أو موقعٍ سياسيّ. كانوا جنوداً يعرفون أن الموت في سبيل الوطن ليس شعاراً بل واجب. أما الذين يستغلّون تضحياتهم اليوم، فيحوّلون الذكرى إلى احتفالٍ أجوف، ويشوّهون معنى البطولة الحقيقية. فمن تحالف مع من اجتاح لبنان بالأمس، لا يحق له أن يتغنّى ببطولات الذين واجهوه. ومن يشارك في منظومة الفساد والارتهان، لا يستطيع أن يدّعي الانتماء إلى تاريخٍ صنعه الشرفاء بدمائهم.

​إن 13 تشرين ليس عيداً يُحتفل به، بل جرحاً مفتوحاً في ذاكرة الوطن. هو يوم سقوط، لا يوم مجد. يوم يجب أن يُقرأ في كتب التاريخ كعبرة لا كإنجاز، وأن يُذكر فيه الأبطال الحقيقيون لا المنتفعون الجدد. فالهزيمة لا تُكرَّم، بل يُحاسَب من تسبّب بها. في الأمم التي تحترم نفسها، القائد المهزوم يُحاكَم أو يختفي عن المشهد، لا يُعاد إنتاجه كضحية أو زعيم. أما في لبنان، فقد تحوّل الفشل إلى وسيلة للبقاء في السلطة، والخيانة إلى طريقٍ للشهرة.

​عظمة الشعوب تُقاس بقدرتها على مواجهة حقيقتها لا بتجميل وتقديس هزائمها. من لا يُحاسب قائده الذي فرّ من المعركة، لا يستحق الكرامة ولا الحرية. ومن يحوّل الهزيمة إلى مهرجان، يحكم على نفسه بتكرارها. 13 تشرين مأساة وطنية، لا مادة للدعاية، ولا ملكاً لحزبٍ أو زعيم. إنها ذكرى للدماء التي سُفكت دفاعاً عن لبنان، لا لمن خانها لاحقاً باسم «الوفاء».

​أوقفوا المتاجرة بوجع الناس وبدماء الشهداء. أوقفوا تحويل المأساة إلى مهرجان. اتركوا 13 تشرين لأصحابه الحقيقيين: الجنود الذين سقطوا بصمت، والذين لم يطلبوا شيئاً سوى أن يبقى لبنان حرّاً لا يُباع ولا يُشترى.