الياس دمّر

الهيمنة السياسيّة الجديدة بالبرمجة

مستقبل السيطرة العسكريّة في "Tron: Ares"

4 دقائق للقراءة

في محاولة متأرجحة لإعادة إحياء عالم "Tron" بعد نجاح فيلمَي "Tron: Legacy" عام 2010، و "Tron" في العام 1982، يُرسَل برنامج ذكي بشكلٍ بشريّ يُدعى "Ares" (يؤدّي دوره Jared Leto) من العالم الرقميّ إلى العالم الحقيقيّ، في مهمّة تحمل مخاطر جوهريّة على نوعية العلاقة بين البشر والذكاء الاصطناعي.

مشاهدة الفيلم في صالة "IMAX" (الأفضل تقنيًا لحضور هذا النمط من الأفلام الضخمة)، كفيلة بمنح المُشاهد تجربة متميّزة جدًّا لناحية التصوير والمؤثرات البصريّة والصوتيّة. الإضاءة "النيون"، تداخل العالمَين الرّقمي والحقيقي، الأجواء المُظلّلة التي تبرِز الاختلاف بين البرنامج والواقع، كلّها تُحيي صورة سينمائيّة، تذكّرنا أنَّ عالم "Tron" يُركّز أوّلًا على التجربة الحسيّة، لا على الحبكة أو الشخصيّات فحسب. هذه الأجواء تضيف طابعًا مقلقًا، فلسفيًّا ومُتسائلًا، ما يدعم الفيلم حين يُغامر في طرح أسئلة أخلاقيّة وتقنيّة.


الرؤية الطموحة وعبء التوقعات

أكثر الأفكار إثارةً للاهتمام والمُتابعة في الفيلم، ما سُمّي بالبرمجة الدائمة (Permanence Code)، التي تُتيح للكائنات الاصطناعية أن تتجاوز حدود الوجود الرّقمي. يسمح هذا التصوّر بتعميق الصّراع القائم بين طموح البشر لخلق ذكاءٍ اصطناعيّ وبين المسؤوليّة التي ينبغي أن تصحبه. هذا النهج يصلح لتكوين أساس فلسفيّ قويّ، إلّا أن التنفيذ ينجرف خلف مَشاهد حركة ضخمة أو تطويلات غير ضروريّة، على حساب الإقناع الدرامي الشخصي. لذا وعلى الرغم من القوّة البصريّة، يُرافق الفيلم شعور بعدم الاتزان في النص والحبكة.

بالنسبة للشخصية المحوريّة "Ares"، نرى هذا البرنامج يتحوّل من مجرّد أداةٍ إلى كائن ذي تساؤلات، ليُكوّن إلى حدٍ ما وعيًا ذاتيًا، مُذكِّرًا بأفلام مثل "2001A Space Odyssey" (عام 1968) و "A.I. Artificial Intelligence" عام 2001.

والصّراع الداخلي الذي يعيشه "Ares" بين الطّاعة والتعلّم والمُراقبة، هو من أفضل ما يُقدّمه الفيلم، لأنه يعطي بُعدًا إنسانيًا أو شبه إنساني وسط عالمٍ مليءٍ بالآلات والبرمجة. كما يُحاول الفيلم الغوص في عالم الذكاء الاصطناعي عبر ديمومة الكائن الذكي الاصطناعي نفسه، ومدى خطورة فقدان السّيطرة على هذه التكنولوجيا، ومن سيمتلكها أوّلًا حول العالم. نجد محاولة صادقة لطرح هذه الأسئلة، لكنها لا تغوص دائمًا في العُمق الذي يُتوقَع في سينما الخيال العلمي الجريء الطّموح.

تخطّي الأجزاء السّابقة

بعد أن ركَّز الجزء الأوّل "Tron" على العالم الرّقمي داخل إطار محدود تقنيًا في الثمانينات، أقدم الجزء الثاني "Tron: Legacy" على توسيع الرؤية بصريًا وتقنيًا ببراعة بعد مرور قرابة ثلاثين عامًا. لنجد "TRON: Ares" يدخل العالم الحقيقي دامجًا التقنيّة مع المادَّة، وليُعالج علاقات السّلطة التقنيّة في عالم اليوم. هذا هو الجانب الذي يجعل الفيلم مثيرًا من الناحية المُعاصرة، في ظلّ النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي وانتهاك الخصوصيّة. إذ لا نزال نجهل من يملك خوارزميّاتنا، كيف تُستخدم، ومتى تُصبح بياناتنا الشخصيّة محطّ استغلالٍ أو تحكّمٍ ما. الفيلم يتوق لأن يكون جزءًا من هذا النقاش، لكن من دون تحقيق مبتغاه.

فيلم "TRON: Ares" خطوة جريئة في امتداد السلسلة. يحمل طموحات كبيرة ورؤية بصريّة قويّة، إضافةً إلى شخصيّةٍ محوريّةٍ تقدِّم تساؤلاتٍ جديّة عن الذكاء الاصطناعي والوجود الرقمي والعلاقة بين الإنسان والكود (البرمجة). لكن الرؤية لم تكن محبوكة تمامًا، حيث فقدت الالتحام الدرامي الشخصي العميق، والابتكار الذي يُغيّر قواعد اللعبة بدل أن يُعيد رسم خطوطها. كما أن الجمهور بات معتادًا على العوالم الرقميّة الفائقة وعلى الذكاء الاصطناعي في الأفلام والمسلسلات. لذا فالإبهار المرئيّ وحده لا يكفي، بل التماسك السّردي والقوّة الدراميّة هما اللذان يحدّدان نجاح التجارب السّينمائيّة أكثر، اليوم!

هل تُصبح جيوش العالم مُجرَّد برمجيّات؟ الإجابة تبدو حازمة ومُقلقة عبر تجربة "TRON: Ares" المُذهلة بصريًا في جميع صالات السّينما اللّبنانيّة.