"وقسوة التنهيد والوحدة والتسهيد، لسه ما همش بعيد، لسه ما همش بعيد... وعايزنا نرجع زي زمان، قول للزمان إرجع يا زمان"... بهذه الكلمات الشجية بدأت أسبوعي الحالي صباح الإثنين، استرق السمع لرائعة الست أم كلثوم بأذن، وأسمع بالأذن الأخرى ما تقوله المذيعة على جهاز التلفزيون الذي ضبطته أم زهير لمشاهدة نشرة الأخبار الصباحية.
النشرة بدأت بعناوين الصحف، ثم مقتطفات لما حدث خلال الـ "ويك أند"، إذ كانت الأعين منصبة على مدينة كميل شمعون الرياضية حيث كان "حزب الله" يصارع الواقع وينازل عقارب ساعة الزمن كي يثبت أنه ما زال موجودًا، مستخدمًا لهذه الغاية عشرات الآلاف من الأطفال بغية القول أنا هنا.
أسكت أم كلثوم، عند مقطع "قول للزمان إرجع يا زمان" لأشاهد المنظر المهيب: صورة للسيد حسن نصرالله في منتصف الملعب يرفرف فوقها علم إيران (الله...الله على الوطنية).
لمحت أم زهير ترسم ضحكة على محيّاها، فسألتها من باب الحشرية: "ليش هالضحكة الصفرا أم زهير؟".
ردّت: "20 سنة. ياما تجمّعنا وياما تظاهرنا وملأنا الساحات بالأعلام والشعارات... لا الحريري رجع، ولا تيار المستقبل بقي. كلو مش رح ينفع أبو الزوز... قول للزمان إرجع يا زمان".
ارتشفت رشفة من فنجان القهوة أمامها، وسحبت نفسين من النرجيلة، ثم قالت من جديد: "أبو زهير... هيدا لبنان طول عمره هيك. أحزابه قائمة على أشخاص مش على مؤسسات. وإذا طار الراس، فرط كل شي. بس كلو بدو وقت، هلق الضربة بعدها سخنة".
هنا قاطعتها بالقول: "يعني بنظرك حزب الله انتهى؟".
ردت مجددًا: "شو النفع إذا عندك سيارة وواقفة بأرضها لأنو ما معك تعبيلها بنزين لتمشي؟ رح تبقى السيارة بس البنزينات رح يخلصوا... أعطيهم وقت".
للمرة الأولى تقول أم زهير ما هو نافع. لم أقاطعها أو أعاندها، تركتها تقول ما يختلج في صدرها، وأنصت له جيدًا وصدّقتها. لأن كلامها نابع من تجربة وخبرة.
ألم يقل المثل الشعبي: إسأل مجرّب ولا تسأل حكيم؟
تركتها تنفخ مرارتها بـ "نَفَس النكهة"، وأكملت مسيري صوب القهوة متمتمًا أغنية الست أم كلثوم "فات الميعاد" بعد أن علقت برأسي طوال النهار: "تفيد بإيه.. إيه.. يا ندم يا ندم يا ندم".