يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخول التاريخ كـ "رئيس السلام"، ويبدو أن مهمّته تتكلّل بالنجاح في الشرق الأوسط من خلال اعتماده استراتيجية "السلام من خلال القوّة"، لكن هذه المقاربة أتت بعد معارك وحروب ضدّ أذرع الأخطبوط الإيراني ورأسه، خاضتها حليفة بلاده إسرائيل انتقامًا لهجوم 7 أكتوبر، الذي غيّرت تداعياته وجه المنطقة. وبعد نجاحه بفرض "خطة ترامب" لوضع حدّ لحرب غزة، لم يتردّد الرئيس الجمهوري بقطف ثمار اللحظة التاريخية من خلال زيارة إسرائيل بالتزامن مع إطلاق سراح جميع رهائنها الأحياء، فضلًا عن مصر، لتعبيد الطريق أمام مسار سلام سيكون طويلًا ومتعرّجًا.
وخلال كلمته أمام الكنيست الإسرائيلي أمس، حيث حظي باستقبال حارّ للغاية، أشاد ترامب بـ "فجر شرق أوسط جديد"، بعد الإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيليين الـ 20 الأحياء في إطار اتفاق شرم الشيخ وأربع جثث رهائن من أصل 28 جثة. وأكد أنه "بعد عامين مروّعين من الظلام والأسر، يعود 20 رهينة شجاعًا إلى أحضان عائلاتهم المجيدة، وهي بالفعل لحظة مجيدة، كما يعود 28 من الأحبّة أخيرًا إلى الوطن ليستريحوا في هذه الأرض المقدّسة إلى الأبد". وشكر "العالم العربي والإسلامي الذي توحّد للضغط على "حماس" من أجل إطلاق سراح الرهائن"، لافتًا إلى أنه "لقد تلقينا الكثير من المساعدة من أشخاص لم يكن ليتوقعهم أحد".
وجزم ترامب، الذي قاطعه الحضور بتصفيق متكرّر، بأنه "يجب نزع سلاح "حماس"، حتى لا تشكل خطرًا على إسرائيل في المستقبل"، معربًا عن أمله في أن تنضمّ "كلّ الدول التي نسعى إليها" سريعًا إلى "اتفاقات أبراهام"، من دون "أي مماطلة أو ألاعيب". وشدّد على أنه "يجب أن تكون قصة العزم الإسرائيلي الشديد والانتصارات منذ 7 أكتوبر، إثباتًا للعالم بأسره على أن من يسعون إلى تدمير هذه الأمّة محكوم عليهم بالفشل المرير، دولة إسرائيل قوية، وستعيش إلى الأبد".
ودعا ترامب، الغزيين، إلى "تركيز اهتماماتهم على استعادة مقوّمات الاستقرار والأمان والكرامة والتنمية الاقتصادية، حتى يتمكّنوا أخيرًا من نيل الحياة الأفضل التي يستحقها أبناؤهم"، كما دعا الفلسطينيين إلى الابتعاد نهائيًا عن "مسار الإرهاب والعنف وطرد قوى الشرّ المليئة بالكراهية التي تعيش بينهم"، مبديًا اعتقاده أن ذلك سيحدث. وحسم أن "قوى الفوضى التي ابتليت بها المنطقة هُزمت تمامًا... من غزة إلى إيران... لم تسفر الكراهية المريرة عن أي شيء سوى البؤس والمعاناة والفشل". وكان لافتًا قوله إن "يد الصداقة والتعاون ممتدّة دائمًا" نحو إيران رغم أن "نظامها تسبّب في الكثير من الموت في الشرق الأوسط"، مشدّدًا على أن الاتفاق حول غزة ما كان ليحدث لولا قيام أميركا بقصف المنشآت النووية الإيرانية.
وأبدى ترامب اعتقاده أن إيران أصبحت الآن مستعدّة لعقد صفقة خاصة بها، معتبرًا أن "روابط جديدة من الصداقة والتعاون والتجارة ستربط تل أبيب بدبي، وحيفا ببيروت، والقدس بدمشق...". ورأى أنه "لقد تحطّم خنجر "حزب اللّه" الذي طالما وُجّه إلى عنق إسرائيل"، مؤكدًا أنه يدعم الرئيس اللبناني جوزاف عون في مساعيه لنزع سلاح "حزب اللّه".
وتحدّث خلال خطابه الحافل بالنكات والسخرية والخروج عن النصّ المكتوب، عن أن "السماء صافية والمدافع صامتة وصفارات الإنذار ساكنة والشمس تشرق على أرض مقدّسة أصبحت أخيرًا في سلام"، حاسمًا أنه "حان الوقت الآن لترجمة هذه الانتصارات ضدّ الإرهابيين في ساحة المعركة إلى الجائزة الكبرى المتمثلة في السلام والازدهار للشرق الأوسط بأكمله". وأثنى على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معبّرًا عن "امتنانه لرجل يتمتع بشجاعة ووطنية استثنائية، وكانت شراكته حاسمة في جعل هذا اليوم التاريخي ممكنًا". كما حض الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ على منح نتنياهو عفوًا في ظلّ متاعبه القانونية الجارية.
وقبل خطاب ترامب، ألقى نتنياهو كلمة أمام الكنيست، حسم فيها التزامه بـ "تحقيق السلام وفقًا لرؤية ترامب"، مشيرًا إلى أنه يمدّ "يد السلام إلى كل من يريد السلام معنا". ووصف ترامب بأنه "أعظم صديق" لإسرائيل على الإطلاق في البيت الأبيض، شاكرًا إيّاه على الاعتراف بـ "الحقوق التاريخية لإسرائيل" في الضفة الغربية. وتحدّث عن تحقيق "انتصارات مذهلة"، مشيرًا إلى "مقتل جميع قادة 7 أكتوبر"، والضربات التي وجّهتها بلاده لميليشيا الحوثي اليمنية و "حزب اللّه" في لبنان، وإسقاط نظام الأسد في سوريا، و "تدمير البرنامج النووي الإيراني".
وجزم نتنياهو بأن "السنوات المقبلة هي سنوات السلام داخل إسرائيل وخارجها"، مؤكدًا أن "السلام سيأتي أسرع مِمّا يظن الناس بقيادة ترامب". وأبدى انفتاح بلاده على "معاهدات سلام جديدة"، وقال مخاطبًا ترامب: "تحت قيادتك، يمكننا إبرام معاهدات سلام جديدة مع الدول العربية في المنطقة والدول المسلمة خارج المنطقة"، حاسمًا أن "أحدًا لا يريد السلام أكثر من شعب إسرائيل". وأعلن أنه رشح ترامب لـ "جائزة إسرائيل"، ما قد يجعل الرئيس الأميركي الشخص الأوّل غير الإسرائيلي الذي يفوز بأعلى وسام وطني في البلاد، علمًا أن نتنياهو أهدى ترامب "حمامة ذهبية".
في السياق، رأى رئيس الكنيست أمير أوحانا أن ترامب ليس "مجرّد رئيس أميركي آخر"، بل هو "عملاق في التاريخ اليهودي، شخصية لا نجد لها نظيرًا إلّا إذا عدنا نحو 2500 عام إلى غياهب الزمن، إلى كورش الكبير"، فيما توجّه زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إلى ترامب بالقول: "كونك لم تُمنح جائزة "نوبل للسلام" هو خطأ جسيم من اللجنة، لكن لن يكون لديهم خيار، سيّدي الرئيس، سيتعيّن عليهم منحها لك العام المقبل". وحسم أنه "لن نذهب إلى أي مكان، الشرق الأوسط هو وطننا ونحن هنا للبقاء"، مشيرًا إلى أن المحتجين ضدّ إسرائيل في الغرب خُدعوا بواسطة خبراء الدعاية.
وقبل انعقاد جلسة الكنيست، زار ترامب مكتب نتنياهو في الكنيست، حيث كتب في سجل زوّار البرلمان: "إنه لشرف عظيم لي، هذا يوم جميل، وبداية جديدة". وكان الكنيست المحطة الوحيدة لترامب في هذه الزيارة القصيرة التي أصبح خلالها الرئيس الأميركي الرابع الذي يُلقي خطابًا في الكنيست بعد جيمي كارتر عام 1979، وبيل كلينتون عام 1994، وجورج بوش الابن عام 2008. ورافق ترامب في الكنيست كبار المسؤولين من إدارته، بمَن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، الذين شكرهم على جهودهم في التوصّل إلى اتفاق وقف النار. كما حضر صهر ترامب جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، اللذان حصلا، كلّ على حدة، على تصفيق حارّ من جمهور القاعة.
ويأتي ذلك بعدما سلّمت "حماس" جميع الرهائن الـ 20 الأحياء المتبقين لديها إلى إسرائيل بموجب اتفاق وقف النار في غزة، فضلًا عن أربع جثث لرهائن، في وقت أفرجت فيه إسرائيل عن جميع السجناء والمعتقلين الفلسطينيين المقرّر إطلاق سراحهم ضمن الصفقة، وهم 1718 فلسطينيًا اعتُقلوا في غزة بعد 7 أكتوبر، فضلًا عن 250 سجينًا محكومين بالمؤبّد. وبينما أُطلق سراح معظم السجناء في الضفة والقدس وغزة، جرى ترحيل 154 سجينًا إلى مصر، وفقًا للسلطة الفلسطينية، فيما اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إعلان "حماس" تسليم رفات أربع رهائن هو إخلال بالالتزامات، محذرًا من أن "أي تأخير أو تجنب متعمّد سيُعتبر خرقًا فاضحًا للاتفاق وسيُردّ عليه وفقًا لذلك".
إلى ذلك، باركت "حماس" "لأسرانا الأحرار، ولذويهم ولجماهير شعبنا إنجاز تحريرهم"، مدّعية أن "طوفان الأحرار إنجاز وطني تاريخي، جسّد وحدة شعبنا"، بعدما أقحمت القطاع بحرب مدمّرة على مدى عامين. وذكرت أن "طوفان الأحرار أكد أن مقاومة شعبنا وتمسّكه بأرضه هو السبيل لتحرير الأرض"، معتبرة أن "مقاومتنا الباسلة أبدعت في الوفاء بوعدها لأسرانا الأحرار". وزعمت بأن "طوفان الأحرار حطّم غطرسة نتنياهو وعصابته المتطرّفة وأفشل مخطّطاتهم"، مشيرة إلى أن "فرحة اليوم (أمس) بتحرير أسرانا، محطة في مسار متواصل حتى إنجاز التحرير".