جوزيف بوهيا

القرار 1701: السيادة تبدأ من الداخل

4 دقائق للقراءة

تتوالى تصريحات عدد من الوزراء في الحكومة اللبنانية التي تطالب المجتمع الدولي ومجلس الأمن بتنفيذ القرار 1701 وترتيبات نوفمبر 2024 وتحميل إسرائيل مسؤولية الخروقات المتكرّرة. هذا الموقف صحيح جوهرياً، لكنه يفتقر إلى الواقعية والمنهج الوطني المتكامل؛ فليس منطقياً أن تطالب دولتنا الآخرين بتنفيذ التزاماتهم فيما هي نفسها لا تفي بما طُلب منها في البنود الأولى من هذه القرارات والاتفاقيات.

تنفيذ القرار يمسّ حياة اللبنانيين أولاً. غياب تطبيق أحكام حصر السلاح وفرض سلطة الدولة يعني استمرار الانفلات الأمني وتزايد المخاطر على المواطنين والمنشآت والخدمات العامة. عندما تتذرّع السلطة بمجلس الأمن أو بأعذار خارجية، فإن الضريبة الأولى يدفعها المواطن: استقراره، أمنه، واقتصاده. لذلك، يجب أن تُنفّذ الدولة التزاماتها لأجل المواطنين، لا أن تُوظّف المطالبات الدولية لتغطية ضعفها التنفيذي وعجزها عن حمايتهم.

كل خطاب لا يعالج مسألة السلاح خارج إطار الشرعية هو تبرير للعجز. سلاح حزب الله والمجموعات المسلحة الأخرى غير شرعي دستورياً وقانونياً، ومهما جرت محاولات تبريره سياسياً، فإن وجود هذا السلاح خارج مؤسسات الدولة يقوّض الأمن الوطني ويمنع قيام سلطة شرعية واحدة. التذرّع بالقوى الدولية أو الإقليمية لإخفاء العجز الداخلي لا يبرّئ أحداً من المسؤولية.

ومن الضروري القول بصراحة: مقولات بعض المسؤولين عن «تعاون» حزب الله في كثير من الحالات تعمية للحقيقة. لو كان هناك تعاون حقيقي، لكان موضوع السلاح أنجز باتفاق وبتسليم طوعي يفتح مرحلة جديدة من التنسيق. الواقع يعكس خلاف ذلك: عمليات تفتيش وحدات الجيش ومحاولات ضبط الانتشار تُظهر أن التعاون ضعيف على مستوى المضمون لا الشكل؛ بل إن تصريحات قيادات الحزب عن إعادة تسلّح تضرب بصحة ادعاءات التعاون. كذلك، أي حديث عن «سحب معظم السلاح من جنوب الليطاني» يبقى غير موثوق إن لم يُصاحبه كشفٌ موثّق لمواقع الأسلحة وتسليمٌ موثّق لها.

المطلوب ليس خطاباً تصعيدياً، بل خطة تنفيذية محددة وجدول زمني واضح. يجب العمل ضمن خطوات قابلة للقياس: تعزيز انتشار الجيش في الجنوب، تفعيل آليات جمع السلاح وتسليمه للجيش، فتح ملفات محاسبة لكل من يتجاوز مؤسسات الدولة، وضبط الحدود. فقط حين تنفّذ الدولة ما عليها تصبح مطالبتها المجتمع الدولي ذات مصداقية. تنفيذ القرار 1701 وترتيبات نوفمبر 2024 ليس خضوعاً لجهة ما، بل مظلّة حماية للبنان من الحرب والفوضى.

تجاهل تحديد جدول زمني هو إدامة للضبابية. هذا الغموض ليس بريئاً: هو انعكاس لخوف جزء من الحكومة من إغضاب فريق سياسي أو المسّ بتوازنات هشة، في حين أن غالبية اللبنانيين صاروا يطالبون بوضوح وجدية. التشويش المتعمّد على تفاصيل التنفيذ لا يعبر عن حرص على السلم الأهلي، بل عن رغبة في إبقاء الوضع القائم على حساب سيادة الدولة ومصلحة المواطنين.

لا شكّ أن إسرائيل تتحمّل مسؤولية خروقات القرار وتهديد السيادة اللبنانية. لكن معالجة الانتهاكات لا تكون بالمواقف الإعلامية وحدها، بل بإعادة إنتاج سلطة الدولة وهيبتها. طالما هناك قوى مسلّحة تعمل خارج مؤسسات الدولة، سيظل لبنان عرضة للتوتر، وسيبقى القرار 1701 حبراً على ورق.

الخيار أمام الحكومة واضح: إما الانتقال إلى مرحلة تحمّل المسؤولية الوطنية وتنفيذ ما التزمت به، أو الاستمرار في سياسة تحميل الآخرين المسؤولية — وما يعنيه ذلك من مزيدٍ من الخروقات وضغوطٍ على اللبنانيين. السيادة لا تُمنح ولا تُحمى بالبيانات، بل تُبنى بالفعل. وعندما تنفّذ الدولة ما عليها، سيتغير موقعها التفاوضي داخلياً ودولياً، وسيصبح بإمكانها مواجهة الانتهاكات من موقع الندّ لا من موقع المتلقي.