أندريه مهاوج

هل تشهد فرنسا مرحلة جديدة من "الديمقراطية التشاركية"؟

4 دقائق للقراءة
لوكورنو أمام مهمّة صعبة للغاية (رويترز)
باريس

في أوّل اختبار سياسي حاسم له، ألقى رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو خطاب السياسة العامة أمام الجمعية الوطنية أمس، وسط أجواء مشحونة سياسيًا وضغوط متزايدة من المعارضة وسيناريوات مفتوحة على احتمال سحب الثقة من حكومته. وفي خطوة وصفت بأنها محاولة للتهدئة و "كسب الوقت"، قدّم لوكورنو سلسلة من التنازلات اللافتة، في وقت عبّرت فيه الأحزاب الرئيسية عن مواقف متباينة، تراوحت بين تصعيد مشروط ومراهنة على التفاوض من أجل منح الثقة للحكومة بندًا بندًا، ويمكن القول إن الحكومة لن تسقط في الظرف الراهن بعدما تبيّن أن ما بين 15 و 20 صوتًا تنقص لجمع 289 صوتًا نيابيًا لإسقاط الحكومة.

في مواجهة برلمان منقسم ومزاج عام متوتر، اختار لوكورنو نبرة تصالحية، مقدّمًا ثلاثة تنازلات أساسية يمكن وصفها بالمفصلية. أعلن لوكورنو الاستجابة لمطلب أساسي لأحزاب اليسار وهو تأجيل البت بقانون التقاعد الذي أقرّته حكومة إليزابيت بورن في 2023 إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية في 2027. وحدّد تاريخ التأجيل حتى كانون الثاني 2028. وأكّد لوكورنو أن حكومته ستعمل بروح الانفتاح على الاستماع إلى كلّ الآراء وعلى التشاور، وأنها لن تفرض إصلاحات كبرى من دون حوار مسبق، خصوصًا في ما يتعلّق بقضايا حساسة كالأجور والتأمين الاجتماعي والخدمات العامة.

وفي خطوة نادرة، دعا رئيس الوزراء، الأحزاب السياسية، إلى تقديم مقترحات ملموسة، متعهّدًا بدرسها وبأخذها في الاعتبار في صياغة قوانين مقبلة، وهو ما رآه البعض محاولة لخلق "غالبية مرنة" يمكن أن تقف إلى جانب الحكومة في كلّ مشروع قانون يلبّي طلباتها، بدلًا من تكوين غالبية حزبية صعبة التحقيق في الظروف الراهنة ونظرًا إلى نتائج الانتخابات البرلمانية في حزيران 2024 وما أفرزته على صعيد التمثيل النيابي للأحزاب.

رغم التنازلات، لم ينجح خطاب لوكورنو في تبديد شكوك ورفض عدّة كتل نيابية بارزة، ما يبقي حكومته في مهبّ الريح. خرج الحزب الاشتراكي من جلسة الاستماع إلى خطاب السياسة العامة راضيًا عن تجميد قانون التقاعد، واعتبر أن لوكورنو استجاب إلى مطلبه الرئيسي. لذلك أعلن الحزب أنه لن يعمد إلى سحب الثقة بشكل آليّ، ولكن أربعة نواب من الحزب أعلنوا أنهم لن يلتزموا بهذا القرار وسيصوّتون لمصلحة سحب الثقة.

حزب "أقصى اليسار" بزعامة جان لوك ميلونشون، رفض خطاب السياسة العامة جملة وتفصيلًا، معلنًا أنه سيتقدّم باقتراح سحب ثقة من الحكومة. واعتبر نوابه أن التنازلات "شكلية"، ولا تمثل تغييرًا حقيقيًا في النهج الليبرالي للحكومة.

من جهتهم، عبّر ممثلو "اليسار التقليدي والخضر" عن عدم اقتناعهم بالخطاب، معتبرين أن الحكومة تفتقر إلى رؤية اجتماعية واضحة، ولكنهم لم يلتزموا بشكل نهائيّ بدعم سحب الثقة، وهو ما يفتح الباب أمام مفاوضات في الكواليس في شأن مشاريع قوانين محدّدة.

رئيسة كتلة نواب حزب "التجمع الوطني" مارين لوبن، اعتبرت أن خطاب لوكورنو "ينمّ عن ضعف سياسي"، بيد أنها لم تُعلن دعمها الفوري لسحب الثقة، مفضلة التريّث واستخدام الضغط البرلماني لتحقيق مكاسب سياسية في ملفات الأمن والهجرة. لكن رئيس الحزب جوردان بارديلا لوّح صراحة بسحب الثقة خلال جلسة غد الخميس.

حزب "الجمهوريون" اليميني ما زال منقسمًا داخليًا. فبينما يدعو بعض نوابه إلى إعطاء الحكومة فرصة، يرى آخرون أن الوقت حان لإنهاء حالة "غياب الغالبية" التي تعيشها البلاد. هذا الانقسام يجعل موقف الحزب حاسمًا في أي تصويت على الثقة، مع العلم أن الحزب ترك لنوابه حرّية التصويت خلال سحب الثقة من حكومة فرنسوا بايرو.

النواب المقرّبون من الرئيس ماكرون ضمن "حزب النهضة"، يواصلون دعم الحكومة، لكنهم يدركون أن هامش المناورة ضيّق للغاية، وأن أي تصعيد قد يؤدّي إلى شلل تشريعي أو دعوة إلى انتخابات مبكرة، وهو سيناريو تسعى الحكومة إلى تجنبه بأي ثمن.

تُظهر مواقف الأحزاب والكتل البرلمانية أن حكومة لوكورنو تسعى إلى بناء توافقات ظرفية داخل برلمان منقسم، وتسعى إلى كسب ثقة فئات واسعة من الفرنسيين الذين باتوا يشعرون بالريبة من الوعود المتكرّرة. لكن هذه الحكومة لا تملك حق ارتكاب الأخطاء أو التراجع عن الوعود أو فرض الإرادة، بل تجد نفسها مضطرّة لإدارة التوازنات السياسية بأقصى درجات الحذر.

وإن كانت التنازلات قد جنبتها السقوط الفوري، إلّا أن مستقبلها مرتبط بقدرتها على تحقيق أكثرية مؤيّدة عند البحث بندًا بندًا في أي مشروع قانون، والاختبار الأوّل سيكون يوم غد الخميس خلال تقديم الموازنة العامة. فهل يكون خطاب لوكورنو بداية لمرحلة جديدة من "الديمقراطية التشاركية"؟ أم هو مجرّد هدنة موَقتة في انتظار جولة مواجهة جديدة؟