الدكتور سايد حرقص

لبنان يختنق، بين الذكاء الاصطناعي والغباء البشري

3 دقائق للقراءة

لم تعد الحدود الجنوبية مجرّد خطٍّ فاصلٍ بين دولتين؛ لقد تحوّلت اليوم إلى مسرحٍ للتجارب العسكرية الإسرائيلية المتقدّمة، ومختبرٍ مفتوحٍ لتقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي. فإسرائيل، التي تبرّر عملياتها الأمنية بذريعة “حماية أمنها القومي”، أقامت فعلياً شريطاً حدودياً مراقَباً بالكامل، يراقب القرى اللبنانية الجنوبية، وتتحكّم به إسرائيل عبر منظومات استشعار وطائرات مسيّرة قادرة على رصد أدقّ التحركات في كلّ لحظة. وكأنّ الجنوب بات مشهداً مقتطعاً من أحد أفلام الخيال العلمي الأميركية عن حكم الآلات، أو صفحةً من رواية "الأصل" للكاتب الأميركي دان براون.

بهذه الهندسة الأمنية الجديدة، تحوّل الجنوب إلى سجنٍ واسع، والمواطن الجنوبي إلى أسيرٍ في أرضه. صار عليه أن يتوخّى الحذر في أبسط تفاصيل حياته اليومية: في قطاف الزيتون، أو إصلاح جدار منزله، أو حتى أثناء سيره في طريقٍ زراعي قد يُعدّ “منطقة عسكرية حسّاسة”. الحياة المدنية هناك باتت معلّقة على قرار آلةٍ مبرمجةٍ تطير بحثاً عن هدف.

لكن الأخطر من السيطرة الميدانية الإسرائيلية هو إمعان حزب الله في تشويه صورة الدولة اللبنانية، وإظهارها بمظهر العاجز، وكأنّه يسعى لتأكيد ما قاله الموفد الأميركي توم براك: “المسؤولون في لبنان كلامهم جميل، لكن بلا أفعال.” فبهذا العجز الممنهج، يُمهَّد لفراغٍ وطني يسمح لإسرائيل بفرض واقعها الأمني والسياسي على لبنان.

فالحزب الذي قدّم نفسه منذ عقود على أنّه “درع لبنان” و”حامي الجنوب”، تحوّل اليوم هو وسلاحه إلى عبءٍ على الدولة، وذريعةٍ دائمة للعدو لمواصلة الغارات ومنع إعادة إعمار القرى المدمّرة.

حزب الله اليوم مشلولٌ عسكرياً، غارقٌ في حساباته الإيرانية، منشغلٌ بالدفاع عن نفوذه السياسي والاقتصادي أكثر من اهتمامه بحماية حدوده.

لقد تُرك هذا الحزب عمداً، وعن سابق تصوّرٍ وتصميم، ليُكمل عملية تدمير ما تبقّى من الدولة. فكلّما ضعفت مؤسساتها، ترسّخ نفوذه، وكلّما انهار الاقتصاد، ازداد تشبّثه بدور “المنقذ”. وهكذا، تحوّل من “مقاومةٍ” وعدت بالتحرير إلى سلطةٍ تستثمر في إدارة الانهيار.

من يخشى اليوم “حرباً إسرائيلية جديدة” عليه أن يسأل: ضدّ من ستكون هذه الحرب؟

فلم يعد في لبنان مقاومة قادرة على القتال، ولا دولة تملك قرار الحرب والسلم، ولا مجتمع متماسك يمكنه الصمود. الحرب الكبرى وقعت فعلاً. ولكن الحروب الصغيرة مستمرة بأشكالٍ أخرى: حربٌ على مؤسسات الدولة، على الاقتصاد، وعلى الروح الوطنية اللبنانية. حربٌ يشترك فيها حزب الله والعدو معاً عبر تفكيك الثقة بين المواطن ودولته، وبين اللبناني وأرضه.

لقد ماتت فكرة الردع، وتحول الجنوب إلى منطقةٍ تُدار بقرارٍ أمني إسرائيلي. أما ما تبقّى من أصواتٍ كنعيم قاسم ووفيق صفا وغيرهما، فليست سوى واجهاتٍ تُستخدم لإدامة الانقسام وإبقاء لبنان في حالة احتضارٍ سياسي واقتصادي دائم.

إن أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس حرباً إسرائيلية جديدة، بل تحويله إلى أرضٍ غير قابلةٍ للحياة الكريمة: أرضٍ بلا دولة، بلا أفق، وبلا أمل.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح الصمت جريمة، والحياد تواطؤاً، والتغاضي عن تدمير الدولة خيانةً جماعيةً للأجيال القادمة.

إن استعادة لبنان لا تبدأ من الجنوب فحسب، بل من إعادة تعريف معنى الدولة والسيادة. فلا سيادة بلا دولة، ولا كرامة بلا مؤسسات، ولا أمن بلا عدالة.

ولعلّ الخطوة الأولى في طريق الإنقاذ هي أن نقول الحقيقة كما هي:

إسرائيل تُحكِم قبضتها من الخارج، وحزب الله يُكمل عملية الانهيار من الداخل، وبينهما يختنق لبنان.