حين يُذكر اسم فيروز، تُستحضر صورة ملاكٍ يغنّي فوق الغيم، لا تُمسّ قداسةُ صوته، ولا تُدنَّس طهارةُ نبرته. هي الصوت الذي وحّد اللبنانيين في أحلك لحظاتهم، وصارت رمزًا للصفاء، للقداسة، وللوطن الجميل كما حلم به الأخوان عاصي ومنصور الرحباني. غير أنّ هذا العالم السماوي الذي بنَتْه مدرسةُ الرحابنة، كان لا بدّ أن يلتقي يومًا بالأرض، أن يلامس التراب، وأن يرى الناس كما هم: يضحكون، يتعبون، يشتمون، ويعيشون حياتهم اليومية بكل تناقضاتها. وكان الذي قاد هذا الهبوط «الجميل» هو ابنها، زياد الرحباني، الذي غيّر مجرى النهر الفني الفيروزي من القداسة إلى الواقع، من الحلم إلى اليومي، من السماء إلى الأرض.
بدأت الحكاية سنة 1973، أثناء التحضير لمسرحية المحطة. حينها، أصيب عاصي الرحباني بعارضٍ صحيّ خطير (انفجار في الرأس) أبعده مؤقتًا عن العمل، فاضطرّ منصور الرحباني إلى متابعة التحضيرات بمفرده، مستعينًا بـ إلياس الرحباني وبالفتى الصغير زياد الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.
في تلك الفترة، لحّن زياد أغنيته الأولى لوالدته: سألوني الناس. لم تكن الأغنية في الأصل معدّة لفيروز، بل للمغني مروان محفوظ، لكنّ زياد، بنظرته الفنية الجديدة، أعاد صياغتها لتتناسب مع صوت والدته. غنّت فيروز الأغنية، فأضاءت على موهبة ابنها الشاب، كأنها بذلك تمنحه اعترافًا مقدّسًا بأن صوته الداخلي بات جزءًا من صوتها الكبير.
ورغم أنّ عاصي عاد لاحقًا إلى الساحة الفنية بعد شفائه، واستعاد سلطته الفنية على فيروز واختياراتها، فإنّ شرارة زياد كانت قد اشتعلت. إلا أنّ ظلّ الأخوين ظلّ ثقيلًا على تجربته، فظلّت محاولاته ضمن الحدود الرحبانية، لم تتجاوزها بعد.
مع نهاية السبعينيات، تهاوت المدرسة الرحبانية بفعل مرض عاصي واندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. توقّف الإبداع الرحباني عند حدود معينة، وبدأت فيروز تشعر بأنها غير مستعدة لتقديم مزيد من التضحيات الشخصية والمهنية من أجل استمرار مدرسةٍ باتت عاجزة عن التطوّر.
الانفصال عن عاصي كان شخصيًا وفنيًا في آنٍ واحد. فعلى الصعيد الشخصي، انتهى الزواج بعد سنواتٍ صعبة. وعلى الصعيد الفني، شعرت فيروز أن الوقت حان لتجديد نفسها، وأن من الأنسب أن يكون شريكها الجديد في هذه الرحلة هو ابنها زياد، الذي يحمل روحًا جديدة وموسيقى مختلفة تمامًا.
عام 1979، صدر الألبوم المفصلي «وحدن»، وهو أول تعاونٍ كامل بين فيروز وزياد.
شكل هذا العمل صدمةً حقيقية لجمهور فيروز التقليدي. فقد نزلت فيروز من مقام القداسة إلى عالم الناس العاديين. لم تعد تغني للوطن والحلم فقط، بل غنّت عن الحب الضائع، عن الوحدة، عن المدينة، عن التفاصيل الصغيرة.
تحوّل صوتها من رمزٍ مطلق إلى إنسانة، من «قديسة» إلى «امرأة». ومع ذلك، لم تفقد رقيّها ولا نقاءها. كانت أغاني زياد واقعية، لكن عبر صوت فيروز، صارت واقعيةً راقية، مؤدّبة، مشبعة بالكرامة والحنان.
ألبوم «وحدن» كان ثورةً هادئة. أخرج فيروز من عباءة الأخوين الرحباني دون أن يُسقط عنها بهاءها. أصبحت «فيروز زياد» مختلفة، أكثر قربًا من الشارع، من المقهى، من الناس. لم تعد تغني فوق الغيم، بل بيننا.
في الثمانينيات، تابع الثنائي العمل، وصدرت أعمال جريئة مثل ألبوم «معرفتي فيه»، الذي حمل ألحانًا غير مألوفة وكلمات تلامس الواقع اللبناني وسط الحرب. كثيرون استغربوا هذا التحوّل، فالأغاني بدت غريبة على الأذن التي اعتادت ألحان الرحابنة الكلاسيكية، لكنها كانت تعبّر بصدق عن لبنان ذلك الزمن: بلدٌ مضطرب، موسيقى مكسورة الإيقاع، وقلوبٌ تبحث عن المعنى.
ثم جاءت التسعينيات، وأطلّ ألبوم «كيفك إنت» سنة 1991، الذي مثّل قمة النضج في العلاقة بين فيروز وزياد.
أغنية كيفك إنت، بكلماتها الصريحة والعاطفية، أثارت جدلًا واسعًا: كيف لفيروز أن تغني لامرأةٍ تلتقي بحبيبها القديم وتقول له «بيطلع عبالي ارجع أنا وياك»؟! اعتبرها المحافظون انحدارًا في المستوى الأخلاقي، لكنّ الزمن كان له حكمٌ آخر: فاليوم، هي الأغنية الأكثر استماعًا لفيروز على المنصّات الرقمية، وأصبحت رمزًا للصدق الإنساني في الحبّ والحنين.
لقد استطاع زياد أن يكتب كلامًا حقيقيًا، وأن يقدّمه بلسان فيروز دون أن يُفقدها وقارها، فجمع بين الواقعية والشاعرية، بين الأرض والسماء.
رغم قوة العلاقة الفنية والإنسانية بينهما، لم تكن فيروز خاضعة لزياد كما كانت خاضعة لعاصي.
لقد تركها زياد حرة، تختار ما تغني وما ترفض، وتعمل مع شعراء وملحنين آخرين مثل جوزيف حرب، فيلمون وهبي، رياض السنباطي، زكي ناصيف وغيرهم.
كانت العلاقة بينهما مبنية على الاحترام المتبادل، وعلى فهمٍ عميق للفنّ كبحثٍ مستمر، لا كاستمرارٍ للتراث فحسب.
في مرحلة الألفية الجديدة، ومع ألبومات مثل «ولا كيف» و«في أمل»، صار ما يُعرف اليوم بـ الأسلوب الفيروزيادي (فيروزياد) حالةً مألوفة. لم يعد الناس يتفاجأون، بل ينتظرون بفارغ الصبر جديد هذا الثنائي الذي جمع النقاء بالعمق، والبساطة بالحكمة.
لكن العلاقة بين الأم والابن لم تكن خالية من الخلافات.
في مقابلة تلفزيونية، صرّح زياد بأن فيروز تؤيد المقاومة اللبنانية، وهو تصريحٌ أغضبها بشدّة، لأنها لم تعلن يومًا موقفًا سياسيًا، وكانت دائمًا تميل إلى الصمت والحياد. فوقع الخلاف، وانقطعت العلاقة لسنوات طويلة.
خلال تلك الفترة، التزم كلٌّ منهما صمته، إلى أن بادر زياد لاحقًا إلى إصلاح العلاقة، فعادت الأمور إلى مجراها الطبيعي، لكن الزمن كان قد مضى، وتقدّم العمر بفيروز، وأصاب المرض زياد، وأصبح الاثنان أكثر هشاشةً، وأقرب إلى الغياب.
رحل زياد قبل أشهر قليلة، ولبنان كله ما زال في حدادٍ عليه. رحل الجسد، لكنّ الصوت باقٍ.
زياد لم يكن مجرد ملحن أو كاتب؛ كان فيلسوفًا موسيقيًا أعاد تعريف صوت فيروز، وجعلها مرّةً أخرى تولد من جديد.
ومع أنّ فيروز تجاوزت التسعين، فإنها ما زالت تمثل ذلك الجسر بين السماء والأرض: صوتٌ بدأ في الأعالي مع الأخوين الرحباني، ثم عاد إلى الأرض مع ابنها زياد، ليقول لنا إن الجمال لا يسكن فقط في المثال، بل أيضًا في الواقع، في التفاصيل، في الناس.
وهكذا، حين نستمع اليوم إلى كيفك إنت أو وحدن أو بعدك على بالي، نسمع في الخلفية حوارًا بين السماء والأرض، بين الأم والابن، بين الحلم والواقع.
وإذا كان زياد قد رحل، فإن روحه ستبقى تعيش في كل نغمةٍ من صوت فيروز، وفي كل لحظةٍ يختلط فيها الواقع بالحلم، والإنسان بالملاك.