كانت سنة 2025 سنة انطلاقة نجم جديد في ألعاب القوى اللبنانية، فمحمود أبو زيد (17 عامًا)، الذي كان يُنظر إليه منذ سنوات كإحدى أبرز المواهب الواعدة، بدأ يؤكّد هذا الموسم التوقعات الكبيرة التي كانت معلّقة عليه، من خلال سلسلة من النتائج البارزة، أبرزها حلوله ثانيًا في سباق 1500 متر في بطولة آسيا تحت 18 عامًا في السعودية (نيسان)، وتتويجه بالميدالية الذهبية في بطولة غرب آسيا تحت 20 عامًا (تشرين الأول) في لبنان في سباق 3000 متر موانع.
وحقق في هذا السباق زمنًا قدره 8 دقائق و 59 ثانية و02 جزء من الثانية، وهو زمن مكّنه ليس فقط من إحراز الذهب، بل أيضًا من التأهّل المباشر إلى بطولة العالم لفئة تحت 20 عامًا، التي ستُقام في أوريغون (الولايات المتحدة) بين 5 و 9 آب 2026.
وفي حديث خاص مع نداء الوطن عن ميداليته الفضية الآسيوية في سباق 1500 متر، قال أبو زيد: "كنتُ مستعدًا جيدًا لتحقيق زمنٍ أقل من 3 دقائق و 50 ثانية. بدأ السباق ببطء، وكان هناك الكثير من الرياح، فلم أتمكّن من التسارع بعد 200 متر. اللفة الأخيرة كانت في 58 ثانية. تجاوزني في آخر 200 متر، لكن لو كانت هناك 200 متر إضافية لتفوّقت عليه. كان يجب أن أبدأ سرعتي النهائية قبل ذلك بقليل. الفائز، القطري مبارك سعيد، هو عداء 800 متر أيضًا، ولهذا كان أداؤه في الأمتار الأخيرة قويًا جدًا".
في عمر السابعة عشرة فقط، يحمل أبو زيد خمسة أرقام قياسية وطنية للفئة تحت 18 عامًا في سباقات 800 م، 1500 م، 3000 م، 3000 م موانع، و5000 م، بالإضافة إلى ستة أرقام قياسية للفئة تحت 20 عامًا (1500 م مضمار قصير، 3000 م مضمار قصير، 3000 م، 3000 م موانع، 5000 م، 10000 م). أي أنه يمتلك أحد عشر رقمًا قياسيًا وطنيًا في فئتي الشباب والناشئين، وهو إنجاز استثنائي.
مقارنة مع نخبة العالم
حقق أبو زيد 998 نقطة في الـ 3000 متر موانع وفق تصنيف ورلد أثلتكس بتاريخ 4 تشرين الأول — وهو أفضل رصيد له حتى الآن — ما يؤكّد أن سباق الموانع قد يكون تخصّصه المستقبلي الطويل الأمد.
وزمنه 8:59.02 يُصنَّف الثامن عالميًا عام 2025 بين عدّائي فئة تحت 18 عامًا، والـ 60 بين فئة تحت 20 عامًا. ومن بين الـ 59 عدّاءً الذين تفوّقوا عليه، هناك 52 وُلدوا بين 2006 و 2007، أي أكبر منه بعام أو عامين، وهو فارق كبير في هذه المرحلة العمرية. أما أبو زيد، المولود في 2008، فلا يزال أمامه موسمان كاملان (2026 و 2027) ضمن فئة تحت 20 عامًا لتقليص الفارق مع نخبة العالم. أما بين مواليد 2008، فزمن أبو زيد يقلّ بفارق 17 ثانية فقط عن رقم المتصدّر العالمي في سنه، الكيني إيمانويل ليميسو (8:41.87).
يُعتبر أبو زيد ثاني عدّاء لبناني في التاريخ يتأهّل مباشرةً (دون بطاقة دعوة) إلى بطولة العالم تحت 20 عامًا، بعد مارك-أنطوني إبراهيم الذي حقق ذلك عام 2021 في كينيا، عندما وصل إلى نصف النهائي في سباق 400 م حواجز واحتلّ المركز التاسع. تقييم حظوظ أبو زيد في نيل ميدالية بعد عشرة أشهر من الآن لا يزال مبكرًا. يحتل حاليًا المركز الـ 60 عالميًا بين فئة تحت 20 عامًا، لكن 34 عداءً من الذين أمامه وُلدوا في 2006 ولن يكونوا مؤهّلين للمشاركة في 2026. أما الـ 25 المتبقون (بينهم 5 كينيين و 9 يابانيين)، فمع تطبيق قاعدة: الحدّ أقصى عدّاءان من كل دولة في كل سباق، فلن يتخطى عدد المنافسين الفعليين 12 عدّاءً تقريبًا. وقال مدرّبه ورئيس نادي إنتر لبنان، روجر بيجاني، بعد سباق التأهل في حديث مع نداء الوطن: "ما زال أمام محمود مساحة كبيرة للتطوّر. تقنيته عند تجاوز حاجز الماء بحاجة إلى تحسين، وإتقانه هذا الجزء يمكن أن يوفر له ثواني ثمينة". وبالنظر إلى أن أزمنة الفوز بالميداليات في بطولات العالم الأربع الأخيرة لفئة تحت 20 عامًا تراوحت بين 8:15 و 8:40، فإن هدف أبو زيد واضح ويمكن بلوغه.
نظرة إلى المستقبل
يُظهر أبو زيد نضجًا يفوق عمره، ويدرك أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة. وهو الآن في سنته الدراسية الأخيرة، ويقول: "أفكر في دراسة الهندسة أو الرياضة. لم أقرّر بعد إن كنت سأدرس في لبنان أو في الخارج، لكني أفضل أن تكون الدراسة في الخارج، وخصوصًا في الولايات المتحدة أو أستراليا". ورغم أن نظامه التدريبي الحالي في إنتر لبنان بإشراف بيجاني أثبت نجاحه، فإن الانتقال إلى مركز تدريبيّ متخصّص في الخارج قد يسرّع تطوّره.
كما أشاد أبو زيد بمدرسته الرسمية شفيق سعيد في عين الرمانة لتفهّمها متطلّبات مسيرته الرياضية: "حين تكون لديّ بطولات دولية، لا يمانعون منحي إجازة، وأتابع الدروس أونلاين. لكني لا أمارس ألعاب القوى باسم المدرسة، فقط مع النادي". وعند سؤاله عن كيفية رفع مستوى ألعاب القوى في لبنان، أجاب: "نحتاج إلى مدرّبين دوليين أكثر، وتغطية إعلامية أوسع، وتحضير نفسي أفضل للرياضيين".