تسكن بعض التساؤلات الميتافيزيقية والفلسفية والكيانية رؤوسنا العمر كلّه وغالبًا ما لا نجد لها جوابًا ولو كسّرنا أمخاخنا بالبحث والتأمّل التجاوزي والتنقيب في بطون المراجع. جهينة واحدة ممّن يشغلون رؤوسهم 24 على 24. تفكّر كثيرًا. تركّز كثيرًا. تحلّل كثيرًا. وفي بالها تساؤل يوميّ يتكرّر منذ أيلول من العام 1973، أي منذ تاريخ شهر عسلها مع فوزي. ما يقلق جهينة معضلة سلوكية متصلة بفوزي وفحواها: ما هي مشكلة فوزي مع الماء والصابون؟ واستطرادًا هل "القلعطة" عند فوزي موجودة بالفطرة أو مكتسبة بالخبرة؟
ولمن لا يعرف فوزي، فهو تاجر دواليب مستعملة ومقصد للثوّار وأصحاب القضايا المطلبية من قطّاع الطرق. من هواياته إعداد وإخراج مشاحر فحم في قريته، وفرط «المواتير» وإعادة تركيبها، إلى إدمانه قراءة الصحف منذ أيام خليل رامز سركيس. الصحيفة رفيقته. يتناول طعامه. يلتهم درّاقة أو ليمونة أو حبة خرما. يشكر ربّه، ويمسح يديه وفمه بصفحة الكلمات المتقاطعة. هذا بروفايل فوزي.
أمس حصل تطوّر مذهل خض كيان جهينة. عاد فوزي إلى البيت في الثانية من بعد الظهر مصطحبًا فرّوجًا على الفحم وكيسًا من كبيس برجيس وعلبة ثوم وصحن بطاطا مقلية. "فلش" غداءه على جريدة كي لا تتسخ طاولة النص. انقض فوزي على الفروج عضًّا وفصفصة مصدرًا أصواتًا أشبه بنخير غوريلّا. جهينة تراقب من كثب مشهدًا مألوفًا. إلى أن حصل ما لم يكن في الحسبان. وقف فوزي بعد المجزرة متوجهًا إلى المغسلة. نعم المغسلة. لحقته جهينة. وضع فوزي يديه تحت الصُنبُور. شطّفهما جيّدًا من الأقذار. تناول صابونة ريحة وراح يفرك أصابعه الغليظة وباطن كفه وظهر كفه لدقائق ثلاث. ثمّ تخلّص من الرغوة مستمتعًا لدقيقتين بالمياه تلاطف يديه. بدا المشهد، تحت ناظري جهينة، احتفاليًا. اهتز كيانها. ابتهجت روحها. سألت فوزي وهو يتناول منشفة نظيفة: خير يا رجوتي شو صاير؟
أجابها: قرأت اليوم في صفحة المنوّعات عن حدث جلل. في 15 تشرين من كل سنة، ومنذ العام 2008 تحتفل البشرية باليوم العالمي لغسل اليدين. هزني الخبر. فأقدمت على هذه الخطوة المباركة.
"الحمد لك يا ربي حصلت العجيبة" قالت جهينة وعادت إلى شغل الكروشيه ومرّ في بالها أنها سمعت على أثير "مونت كارلو" خبرًا عن يوم ارتداء الجوارب غير المتطابقة الموافق في 21 آذار وخصّص هذا اليوم لدعم الوعي حول متلازمة داون، واكتشفت أن فوزي احتفل بهذه المناسبة طويلًا، بدءًا بأول تشرين الأول 1973 أي غداة انتهاء شهر العسل. اعتاد أن يسحب جوربين عن "المنشر" من دون أن يدقق في تطابقهما.
المهم أن فوزي استيقظ صباح هذا اليوم المبارك. فقع منقوشة مشبعة بالزيت والبصل وأتى على المتبقي من "كبيس برجيس". مسح يديه بمانشيت الأمس وتابع مسار حياته كالمعتاد.