بعد ما يقارب السنتين على حرب 7 أكتوبر 2023، قام الرئيس الأميركي بجولة تحتسب بالساعات إلى القدس وبعدها إلى شرم الشيخ حيث ترأس مؤتمرًا ضمّ 22 رئيس دولة ومسؤولًا أمميًا، وأعلن خلال الحدثين انتهاء حرب غزة وفترة سلام ستعمّ الشرق الأوسط.
لم يبلغ قدر الولايات المتحدة قطّ ما بلغته في ولاية دونالد ترامب الثانية. استطاع رئيس طارئ على العمل السياسي ومن أقلّ الرؤساء إشراقًا والأكثر جذبًا لانتقاد وسخرية الإعلام والمثقفين، تحقيق ما فشل من سبقه في إنجازه. انفرد بالقرار الدوليّ للمرّة الأولى فيما كان جماعيًا بعد الحرب العالمية الأولى، وثنائيًا بعد الحرب العالمية الثانية.
لهذا الإنجاز أسبابه وأشخاصه. السبب المباشر لانتصار أميركا وإسرائيل هو سوء حساب من أعلن حرب 7 أكتوبر. قامت الحرب على فرضية أن إسرائيل لا تقوى على القتال على أكثر من جبهة في وقت واحد. سجلّ حروبها لا يعدو أيامًا وإن اضطرّت، لامتدّت لأسابيع. إسرائيل لا تملك جيشًا نظاميًا كبير الحجم بل تعمد إلى تجنيد مدنيين حسني التدريب لحروب قصيرة يعودون بعدها لأشغالهم. من الفرضيّات التي أثبتت خطأها أن المجتمع الإسرائيلي ليس مستعدًا لتحمّل خسائر بشرية كبيرة. ولا بدّ أيضًا من ذكر ما ينفرد به المجتمع الإسرائيلي، ضعف تجاه المختطفين من مواطنيه واستعداد لبذل أثمان باهظة لاستعادتهم.
كانت هذه جميعًا في حسابات مخطّطي حرب أكتوبر. أخذ رهائن من المدنيين، فتح 7 جبهات والتخطيط لحرب طويلة. كانت النتائج غير ما توقع أعداء إسرائيل. بدلًا من جرّ الجيش الإسرائيلي لحرب داخل الأنفاق، طوّر الإسرائيليون تفوّقًا تقنيًا ومستوى استخباراتيًا خرقوا به كلّ مؤسسات أعدائهم. لا بدّ من إضافة دور ترامب الذي خلافًا للرؤساء الديمقراطيين، لم يبخل على إسرائيل لا بالذخائر ولا بالتقنيات المتفوّقة من قاذفات وقنابل اختراق ما أدّى إلى الانتصار الكبير.
في أقلّ من سنتين، استطاع الجيش الإسرائيلي تدمير غزة وجعل الأحياء من قياداتها يستسلمون، وتسديد ضربة قاضية على مواقع "حزب اللّه" وقياداته العسكرية، وإضعاف الحوثيين وحتى السيطرة التامة طوال حرب إيران على الأجواء الإيرانية وتدمير المخازن الرئيسية للمواد النووية خاصة فوردو، ما أدّى إلى تأخير إمكانيات إيران النووية لسنوات. أما الذروة فهي استسلام حماس وخضوعها لإملاءات أميركا لخلق شرق أوسط جديد يشمل سلامًا بين العرب وإسرائيل.
لكن يبقى السؤال: هل ثمّة تفاصيل من شأنها أن تعدّل الصورة أو حتى تعكسها؟
عناصر ثلاثة ربّما تثبت الأيام أنها ستكون سبب انكفاء التفوّق الإسرائيلي وربّما استبداله بنقيضه: الجغرافيا والديموغرافيا وديناميكية الإسلام.
إسرائيل ليست فقط دولة ضئيلة المساحة، بل الأهم والأخطر، أنها تحتوي في وسطها، الضفة الغربية، وإلى جنوبها الغربي، غزة، فلسطينيين من الصعب تصوّر أنهم سيرضون بالعيش بسلام مع الإسرائيليين. اقتراح الدولتين يشوبه الكثير من الشوائب: هل هما دولتان كاملتا السيادة؟ إن نعم، كيف يمكن لدولة في وسط دولة أخرى أن تستعمل سيادتها لما يمكن أن يعرّض أمن الدولة الأخرى للخطر بعلاقاتها الخارجية أو تجهيزها العسكري؟ أما في اقتراح دولة فلسطينية محدودة السيادة ضمن حدود إسرائيل، فثمّة تساؤلات. ما هي الإجراءات التي تضمن سلامة الإسرائيليين؟ يمكن الاتفاق على قيود لتسلّح الفلسطينيين، لكن هل يمكن تصوّر منعهم من قيادة سيارات أو شاحنات، مثلًا، وقد كانت أدوات أعمال عدائية أوقعت مئات الضحايا بين المدنيين؟
الديموغرافيا أيضًا موضع قلق الإسرائيليين. صحيح أن حجم العائلات اليهودية يتفوّق على المعدّل في أوروبا، لكنه دون، وبأشواط، حجم العائلات الفلسطينية. حسبنا ذكر أن عدد سكان غزة عام 1967، كان دون الـ 200 ألف فأصبح الآن مليونين ومئتي ألف. "الديموغرافيا من أسباب انهيار الحضارات"، حسب قول أنولد توينبي.
هناك أيضًا السياق التاريخي للإسلام. الإسلام، شأن سائر الأديان، مرّ بمراحل ازدهار تبعتها فترة قاتمة أتت بعدها مرحلة إصلاح وتطوّر. غير أن السياق الذي مرّت به المسيحية يختلف بصورة جدّية عن مراحل تطوّر الإسلام. أتت مرحلة الإصلاح المسيحي، البروتستنتي وبعدها الكاثوليكي، بعد فترة تطوّر المفاهيم الإنسانية وتأثر المسيحية بها، فيما الحركات الكبرى في تحديث الإسلام، "الإخوان المسلمون" عند السنة، والجمهورية الإسلامية القائمة على فكر الخميني – "الحكومة الإسلامية" لبنية الحكم، و "تحرير الوسيلة" للقوانين المدنية، لا علاقة البتة لها بفكر التنوير ولا بـ "الأخوة والعدالة والمساواة"، فكان التحديث الإسلامي، بدلًا من "إصلاح" الإسلام وتحديثه، أتقن وسائل نشره على ما هو عليه، في "دار الكفر" مستعينًا بأموال البترول وبتحالفه مع اليسار "ووك".
القادم من الأيام يتضمّن الجواب عمّا إذا كانت إسرائيل وأيضًا غيرها، ستستطيع التغلّب على هذه التحدّيات.
*****