منذ إطاحته رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد في كانون الأول الماضي، يعمل الرئيس أحمد الشرع على انتشال سوريا من عزلتها الدولية بترميمه علاقات دمشق الخارجية، خصوصًا مع الغرب والدول العربية، لكنه في الوقت عينه، لم يُغلق الباب أمام إعادة صياغة العلاقات مع روسيا، رغم انخراطها في الحرب الأهلية لمصلحة النظام الساقط وإيوائها الأسد وكبار ضباطه لديها. تنطلق مقاربة الشرع البراغماتية للعلاقة مع موسكو من اعتبارات عدّة، أبرزها وجود قاعدتين عسكريتين لموسكو على الأراضي السورية، والعلاقات الاقتصادية والتجارية المتشعبة التي تربط البلدين، ولا سيّما في مجالي الطاقة والغذاء.
بناء على ذلك، أجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني زيارة إلى موسكو في تموز الماضي اتسمت بالإيجابية، ما عبّد الطريق لزيارة الشرع الكرملين أمس برفقة الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس الاستخبارات العامة حسين السلامة والأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع، حيث التقى الشرع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبحثا لأكثر من ساعتين ونصف العلاقات الثنائية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون الاستراتيجي في مختلف المجالات، وفق وكالة "سانا".
وأوضح الشرع في مستهلّ لقائه بوتين أن سوريا تمرّ بمرحلة جديدة تسعى من خلالها إلى إعادة بناء علاقاتها السياسية والاستراتيجية مع الدول الإقليمية والعالمية، وعلى رأسها روسيا، مؤكّدًا أن "سوريا وروسيا تربطهما علاقات تاريخية طويلة، إلى جانب علاقات ثنائية ومصالح مشتركة في مجالات عدة، منها قطاع الطاقة في سوريا الذي يعتمد في جزء كبير منه على الخبرات الروسية"، كما لفت إلى أن جزءًا من الغذاء السوري يعتمد على روسيا. وحسم أنه "نحن نحترم كلّ ما مضى من اتفاقات، ونحاول أن نعيد ونُعرّف بشكل جديد طبيعة هذه العلاقات، على أن يكون هناك استقلال للحالة السورية والسيادة الوطنية"، مشدّدًا على أن سلامة ووحدة أراضي سوريا واستقرارها الأمني مرتبطة بالاستقرار الإقليمي والعالمي.
بدوره، أشار بوتين إلى أن العلاقات بين روسيا وسوريا تمتدّ لأكثر من 80 عامًا، مدّعيًا أن روسيا لم تكن يومًا تضع مصالح ضيّقة أو الحال السياسية الراهنة في حساباتها تجاه سوريا. وشدّد على أهمية استئناف أعمال اللجنة الحكومية المشتركة الروسية - السورية التي انطلقت عام 1993 واستأنفت نشاطها برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، لافتًا إلى أن "هناك كثيرًا من الأفكار المهمّة تمّ تحديدها، ونحن سنبذل قصارى جهدنا من أجل تنفيذها، واتفقنا على تنظيم المحادثات المنتظمة بين وزارتي الخارجية في بلدينا". وأشاد بنجاح انتخابات مجلس الشعب السوري هذا الشهر، معتبرًا أن ذلك "نجاح كبير لأنه يؤدّي إلى تكاتف المجتمع، رغم الظروف الحساسة التي تمرّ بها سوريا".
لاحقًا، أبدى نوفاك استعداد موسكو للعمل في مشاريع نفطية في سوريا ومساعدة دمشق على استعادة البنية التحتية للطاقة والسكك الحديدية وغيرها من البنى التحتية التي دُمّرت خلال الحرب الأهلية، مؤكدًا أن بوتين والشرع ناقشا هذا الأمر باستفاضة، فضلًا عن مسائل الإمدادات الإنسانية إلى سوريا، والتعاون في مجالات النقل والصحة والسياحة والثقافة. وذكر أن "الشركات الروسية في سوريا تعمل منذ فترة طويلة في حقول النفط، هناك حقول تحتاج إلى تطوير وأخرى معطّلة وغيرها جديدة، ونحن مستعدّون للمشاركة"، لافتًا إلى أن موسكو ودمشق اتفقتا على عقد اجتماع للجنة حكومية دولية مشتركة في المستقبل القريب. وأفاد بأن سوريا أبدت اهتمامًا بالحصول على القمح والأدوية الروسية، جازمًا بأن موسكو "ستواصل تقديم الدعم الإنساني لدمشق"، بما يشمل المساعدات الغذائية والطبية والاحتياجات الأساسية، في إطار التعاون الثنائي المستمرّ منذ سنوات الحرب.
وكان الكرملين قد كشف قبل المحادثات أن بوتين والشرع سيناقشان مصير القاعدتين الرئيسيتين الروسيتين في سوريا. وأفاد مصدر سوري لوكالة "رويترز" قبل المحادثات بأن المسؤولين السوريين يسعون إلى الحصول على ضمانات بأن روسيا لن تساعد في إعادة تسليح فلول الأسد، لافتًا إلى أن الشرع يأمل في أن تساعد روسيا كذلك في إعادة بناء الجيش السوري. كما ذكر مصدران سوريان قبل المحادثات أن الشرع سيستغلّ المحادثات ليطلب رسميًا من موسكو تسليم الأسد لمحاكمته على جرائمه ضدّ السوريين. وأفاد أحد المصدرَين بأن بوتين قد يطرح أيضًا مسألة إعادة نشر الشرطة العسكرية الروسية كضمان ضدّ أي تعدّيات إسرائيلية أخرى.