أدرك العالم منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأربعاء الماضي، أن حرب غزة تقترب من الحلّ، وبدا واضحًا أن هذا الرجل الخارج عن المألوف و"الخارق للتحصينات" قادر على اقتحام أكثر الملفات صعوبة، وفرض مسار جديد حتى على أكثر أزمات الشرق الأوسط استعصاء وتعقيدًا.
المتابعون توقعوا أن تكون محطة ترامب في تل أبيب مجرّد تمهيد لاصطحاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معه إلى شرم الشيخ، حيث كان المشهد مرشّحًا لأن يتحوّل إلى لحظة تاريخية تعبّد الطريق أمام الحل النهائي لقضية الشرق الأوسط. لكن ما لبثت خيبة أمل طفيفة أن خيّمت على المشهد العالمي العظيم حين أُعلن إلغاء زيارة نتنياهو، لتظهر لاحقًا أسباب وُصفت بأنها صغيرة أمام ضخامة الحدث.
صحيح أن عمق المشكلة الفلسطينية - الإسرائيلية، ومعها أزمات المنطقة، يتطلّب جهودًا جبّارة وتفاصيل دقيقة، لكن التطورات الأخيرة أثبتت أن الحلول تحتاج أحيانًا إلى عملية إنعاش خارجة عن المألوف تمامًا كما حصل مؤخرًا بفعل وبفضل الضغط المتصاعد والمتعاظم من إدارة ترامب، التي دفعت الأطراف إلى تجاوز كلّ المحظورات وإسقاطها.
فقد جلس الوفد الإيراني أكثر من مرّة مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، كما جلست حركة "حماس" بدورها مع المبعوثين الأميركيين عدّة مرّات، وكان آخرها مساء الأربعاء حين دخل ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر على الوفد الذي يرأسه خليل الحية. هذه اللقاءات التي كانت مستحيلة قبل أشهر، تكشف أن المعادلات انقلبت والمستحيل بات واقعًا. لكن يبدو أن اللقاء مع نتنياهو لم ينضج بعد.
فإذا كان السبب يعود إلى عدم نضوج الطرح والمشروع، فلماذا وقع قادة الدول على مشروع السلام وإنهاء حرب غزة من دون إنضاج أي تفصيل؟ ولعلّ التأخير في تسليم "حماس" جثث الرهائن لإسرائيل هو خير دليل على ذلك. لا بل أكثر من ذلك، هل كانت كلّ الاستحقاقات السابقة ناضجة حقًا؟ فعملية إنهاء الحرب مع إيران بعد 12 يومًا من بدايتها لم تكن خطوة مكتملة، بدليل الحديث عن احتمال جولة ثانية حاسمة في المدى المنظور.
كما أن اتفاق وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان لم يكن هو الآخر ناضجًا، وهذا ما يفسّر تعدّد التفسيرات والروايات، خصوصًا من قِبل "حزب الله" أو بعض من أصبح في السلطة.
ولعلّ أكثر طرح غير ناضج تمثل بتهافت الدول الأوروبّية والغربية على الاعتراف بدولة فلسطين من دون أن تبلور أي من تلك الدول تفاصيل هذا الإعلان التاريخي، والدليل على ذلك أن أيًا منها لم تفتح سفارة لها في رام الله حتى يومنا هذا.
إذن، إذا لم يكن شرط "النضوج" قائمًا في هذه المحطات، ألم تكن الساعة مؤاتية في 13 تشرين الأوّل لاستكمال مشهد كسر الجمود والمحظورات بالجلوس على المستوى السياسي مع كلّ الخلافات المطروحة، بهدف الدفع في اتجاه السلام في الشرق الأوسط؟ فتنبثق لجان المتابعة على وقع ضغط الرئيس الأميركي وإدارته وتفرض على نفسها الخروج بالحلّ بدل التلطي خلف التفاصيل؟
لا نقول ذلك بهدف الدفع نحو حلّ غير ناضج لأننا ما زلنا نؤمن بالمبدأ الأساس: لا حل شامل ودائم إلّا على قاعدة حل الدولتين، كما نصّت المبادرة السعودية وإعلان بيروت عام 2002. غير أن هناك فارقًا جوهريًا بين إطلاق مسار الحل وإنجاز تفاصيله. والحدث الأخير أطلق بالفعل هذا المسار، وأثبت أن المحرّمات السابقة يمكن كسرها تحت ضغط دولي حاسم.
عمومًا، قمة شرم الشيخ لن تكون الفرصة الأخيرة، لكنها قد تكون بداية انتقال المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات إلى البحث الجدّي عن الحلول. الطريق طويل ومعقد، لكن التطورات الأخيرة تؤكد أن الشرق الأوسط يقف على عتبة جديدة، حيث لم يعد الحوار مع الخصوم من المحظورات، بل أصبح جزءًا من عملية سياسية تُرسم تحت وطأة ضغط أميركي غير مسبوق، وباسم شعوب أنهكتها الحروب منذ أكثر من ثمانية عقود.