د. نبيل خليفة

توم برّاك: تلميذ مدرسة هنري كيسنجر

5 دقائق للقراءة
لبنان في نظر كيسنجر كما في نظر برّاك بلد هش التركيبة (نداء الوطن)

في 22 أيلول 2025، أدلى الموفد الأميركي إلى لبنان توم برّاك بتصريحات ومواقف من الوضع في لبنان. وعلى خلاف كلّ تصريحاته السابقة، فقد حلّقت هذه التصريحات الجديدة إلى ما يسمّى المنسوب القياسيّ من الغرائبّية من حيث توجيه انتقادات قاسية جدًا إلى لبنان وحكّامه الذين لم يمارسوا سوى الكلام، ولم يفعلوا شيئًا حسّيًا في خطّة حصريّة السلاح. إلى تصريحات طاولت الصحافيين الذين يغطّون زيارته إلى لبنان، كما طاولت المسؤولين "الذين لا يفعلون شيئًا سوى الكلام دون أي عمل فعليّ".

كيف يمكن تفسير موقف السيد برّاك من المسؤولين اللبنانيين والإعلاميين ومن ثمّ من القضية اللبنانية؟

لا شكّ أن هناك اجتهادات كثيرة لتفسير موقف برّاك هذا، لكننا نكتفي بمقاربة هذه المسألة بشكل علميّ على ضوء الوقائع والمعطيات والتحليلات الموضوعية.


أوّلًا: برّاك والقضية اللبنانية 

إن اختيار الإدارة الأميركية السيد برّاك مندوبًا لها في لبنان وسوريا يفترض في حدّه الأدنى أن يكون هذا السياسي مدركًا وملمًا بالقضية اللبنانية، وفي حدود علمنا الفعليّ ليس هناك من دراسة للسيد برّاك وضَعها ويستوحي منها نظرته إلى القضية اللبنانية في مختلف جوانبها، حتى إذا كانت لدى برّاك آراء من القضية اللبنانية، فإنه من المفيد بل الملزم إبراز هذه الآراء كي يتمّ فهم وشرح مواقفه على أساسها، فلا تبقى الأمور والمواقف غامضة ومعقدة وحتى متناقضة بعض الأحيان، وعلى هذا، وقع المتابعون لمهمّة برّاك ودوره في السياسة الإقليمية في حيرة وارتباك ممّا يريده برّاك ويفعله على المستويين السري والعلني في سياق التمهيد لإنجاح السياسة الأميركية في لبنان والمنطقة. ولعلّ أهمّ ما يثيره في نفوس المسؤولين والمواطنين، هو الحيرة والارتباك نظرًا للغموض غير الخلّاق الذي يميّز ممارسته السياسية. فهو من حيث الأساس والمبدأ، لم يعلن إيمانه وقناعته بلبنان الكيان والدولة والإنسان وهي العناوين الثلاثة الأساسيّة التي تختصر مقوّمات القضية اللبنانية.

الكيان الجغرافي المحدّد والدولة العضو في الأسرة الدولية والإنسان اللبناني الحر في ظلّ نظام جمهوري ديمقراطي.


ثانيًا: برّاك وكيسنجر

اعتبر المحلّلون هنري كيسنجر أهم رجل سياسي في العالم أجمع، في النصف الثاني من القرن العشرين. وطبيعي أن تكون له بصمته الفاعلة على الدبلوماسية الأميركية في أميركا وفي العالم أجمع. وهكذا انقسم الدبلوماسيون الأميركيون إلى فئتين: فئة الكيسنجريين وفئة أخصام كيسنجر. ويبدو من ممارسات توم برّاك السياسية في لبنان والشرق الأوسط أنه من المدرسة الكيسنجرية في النظرة إلى العالم العربي والشرق الأوسط والقضية اللبنانية.

أ - لبنان في نظر كيسنجر كما في نظر برّاك بلد هش التركيبة قابل للتعدّد والانقسام وهو نقطة انفجار الهلال الخصيب ومركز انفجار الأقليات في ضوء قيام إسرائيل، ما أثار طموح أقليات المنطقة ولا سيّما الأكراد والمسيحيين والدروز والعلويين.

ب - ولبنان بلد مثالي لتحقيق المؤامرات ليس ضده فقط، بل ضد العالم العربي أيضًا خاصةً أن لديه حدودًا مشتركة مع دولة إسرائيل. ولن يكون حلّ للحدود إلّا في نطاق حلّ عربي - إسرائيلي شامل.

 ج - ولئن صار لبنان مستودع الفكر الديموقراطي الغربي، فليس لكي يحارب فيه أميركا والغرب، بل الحركات والأيديولوجيات الراديكالية اليسارية واليمينيّة. 

د - إن ما تريده السياسة الأميركية وتسعى إليه، هو تحقيق مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومن ضمنها في الدرجة الأولى، ضمان وجود إسرائيل وبقائها وأمنها وسط العالم العربي. والمهم في ذلك، أن تصبح القضية اللبنانية البديل للقضية الفلسطينية والوطن الثاني لتوطين الفلسطينيين.

ه- إن المسار الذي مضت فيه مهمة برّاك في لبنان تتناسب في الكثير منها مع الخطة الكيسنجرية. لأن الأساس في الأمر، هو النظرة الأيديولوجية وليس السياسية إلى القضية اللبنانية. 

و- لقد عمل برّاك كي يجعل لبنان مرتعًا لإسرائيل وسوريا في آن. وكان في هذا يجدّد خطة كيسنجر الاستراتيجية المعروفة بـ "خطة الخطوط الحمر" بحيث يحيل لبنان قسمين: على خط صيدا- كفرمشكي في البقاع قسم تحت وصاية ورعاية إسرائيل (في الجنوب). وقسم تحت وصاية ورعاية سوريا (في الشمال). والقسمان ينسّقان مع الولايات المتحدة الأميركية، وإن السفير برّاك لم يخرج عن هذا الهدف.

في الخلاصة، إن ما توخاه برّاك من مهاجمته المسؤولين اللبنانيين واتهامهم بالإهمال والسطحية، قد يكون عكس ما يراه الكثيرون، أي نقدًا لهؤلاء المسؤولين غير الجديّين، بل هو في الآن ذاته هجاء مقصود، لأن هؤلاء المسؤولين الجدد ولا سيّما رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء يتمسَّكون بمواقف لبنانية وطنية صلبة ولا يسايرون على مصلحة وطنهم. ولذلك، تكون أهداف برّاك تذهب عكس ما يظن القارئون أو السامعون، فهو يريد منهم أن يكونوا آلة طيّعة في يد أميركا، وبالتالي في يد إسرائيل، لا أن يتمسّكوا بمواقف راديكالية استقلاليّة تضرّ الاثنين معًا:

وتلك هي عقدة الدبلوماسية البرّاكية - الكيسنجرية!