الدكتور سايد حرقص

لبنان بين غضب يهوه وأفاعي ميدوزا

4 دقائق للقراءة

​في لحظةٍ كأنها خارجة من أعماق التاريخ القديم، من زمن الأساطير وغضب الآلهة، يقف لبنان اليوم بين نارين: غضب نازل من سماء الجنوب، يتحدث بلغة «يهوه» في سفر التثنية التوراتي ووعيده بالنار والقتل والدمار، وأفاعٍ تتلَّوى في الداخل، خارجة من رأس «ميدوزا» الإيرانية التي لا تعرف سوى منطق التحدّي والبقاء والتهديد بتحويل أي معارض إلى حجرٍ غير قابل للحياة.

​بعد بدء تطبيق الاتفاق في غزة، بدأت تتعالى في الأيام الأخيرة أصوات التهديد الإسرائيلية، كأنّها ترجمة معاصرة لقول التوراة: «سَيُسَلّط الربّ عليك أمّةً تأتي من بعيد، سريعةً كالنسر، لا تعرف وجهها، فتأكل ثمرك وأرضك حتى تهلك». هذه الكلمات التي كُتبت في زمن الأسفار المقدسة، تعود اليوم كظلّ فوق الجنوب اللبناني، كأنّ التاريخ يعيد نفسه بلغة النار والصواريخ والغارات. فبنيامين نتنياهو يهدد على طريقة «غضب يهوه»، يريد حربًا تثبت فيها إسرائيل أنها الجيش الأقوى الذي لا يُقهر بعد زمنٍ من الفشل والهزّات والإخفاقات، وبات لبنان حقل اختبارٍ جديدٍ لغطرسةٍ عطشى إلى النار والدم والموت والجنون.

​في الجهة المقابلة، تستعرض إيران أذرعها على طريقة شعر أفاعي ميدوزا. لا ترى في لبنان وطنًا، بل مرآةً لسطوتها. ترفض تسليم السلاح، ترفض الحياد، ترفض أن يُغلق فم أفاعيها. هذه الأفاعي التي خرجت من رحم الثورة الإيرانية، حوّلت لبنان إلى حجرٍ مُتخلِّفٍ على جميع المستويات: المالية والاقتصادية من خلال اقتصاد 'الكاش'، والسياسية من خلال منطق الاستئثار بقرار الحرب والسلم وشلّ البلد لفرض إرادتها على الجميع، وحتى على مستوى الديمقراطية والحرية الشخصية من خلال التكليف الشرعي الذي يُلغي الحرية الشخصية للبشر ويحوّلهم إلى مجرد عبيد تابعين.

​تلك الأفاعي خرجت من كتاب الأساطير، وباتت واقعًا يتنفس: أحزاب، ميليشيات، أبواق، وجوه تتَبَدَّل على الإعلام وشعراء وكتاب من زمن اليسار المُنقَرِض يجولون ويصولون على مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى أتباع ومرتزقة وذمّيين يكررون أسطوانة سخيفة ومضجرة في متاهة مدمرة ومحزنة، لكن السَّمّ واحد، والالتفاف حول عنق الدولة مستمر. كلّما حاول لبنان أن يرفع رأسه، شَدَّت الأفاعي قبضتها أكثر، وكلّما اقترب الخطر الجدي لنزع سلاحها، ازدادت تشبُّثًا به وكأنها من دونه تخشى أن تفقد علة وجودها، حتى بات هذا السلاح بنظر البيئة الحاضنة لها صنمًا مقدسًا واجب السجود له وتقديم الذبائح البشرية لإرضائه.

​أما السلطة اللبنانية المنهكة بالأزمات، فتكاد تكون الحجر الذي خلّفته نظرة ميدوزا. تعرف الخطر، وتراه، لكنها لا تتحرك. تصمت وتغرق في تبريراتها كمن يبرّر الخوف بالواقعية.

​هكذا يقف لبنان اليوم بين غضب يهوه الذي تنشره مسيرات الموت فوق الجنوب، وأفاعي ميدوزا التي تتراقص في أحشائه؛ بين نبوءة الخراب ومصير التجمّد. بين تهديد نتنياهو وواقع الحال الذي تفرضه عنتريات الشيخ نعيم قاسم وألاعيب وفيق صفا في الداخل.

واهمٌ من يتأمل ازدهارًا من إله غاضب لا يعرف غير الدمار، ومجنونٌ من ينتظر العسل من سم الأفاعي. لا يحتاج لبنان إلى نبوءة جديدة، بل إلى لحظة صدقٍ نعترف فيها كشعبٍ لبناني بأننا لم نعد نملك ترف الوقت و لم نعد في موقع الاختيار. فالغضب قادم من فوق، والسَّمّ يسري من تحت. ​في هذا الليل الطويل، يعيش لبنان مرارة الانتظار. انتظار نتائج صراع الآلهة والأساطير. هل يقطع يهوه رأس ميدوزا؟ هل تَشُلُّ سموم ميدوزا جسد يهوه؟ ​هل يبادر أهل الأرض، عن اقتناعٍ كاملٍ وإيمانٍ عميق، إلى قطع رؤوس الأفاعي، وإلى إطفاء غضب يهوه بثَلْجِ عنفوانهم واتحادهم؟

​الانتظار سيستهلك ما تبقى من قدرة الشعب على الصمود وسيقوده رويدًا رويدًا إلى مزيدٍ من الاهتراء والانهيار. فإذا لم يؤمن الشعب أنّه قادرٌ باتحاده على مواجهة وجه ميدوزا وجنون يهوه معًا، فإنّ البلد سينتحر في سجن الانتظار المُدَمِّر.

​الخلاص لا يأتي من إلهٍ غاضبٍ ولا من أفعى سامة، بل من إرادةٍ وطنيةٍ جامعة تقتلع الجذور الداخلية للتبعية، وتعزّز روح الانتماء الوطني. عندها فقط يمكن أن تشرق شمس الحرية فوق جبال أرز الرب، ويولد فجرٌ جديدٌ يُعيد للبنان هويته التي سرقتها الأساطير وأحرقتها نيران البراكين.