بصوت جهوري ارتجت له منافذ الصوت، وبلغت أصداؤه المساجد والأحياء المجاورة، وبينما تنتفخ أوداجه، وتنساب حبات العرق من تحت عمامته على جبهته ووجهه، راح خطيب الجمعة يسكب في بطن خطبته سردية حافلة بتناقضات بنيوية صارخة، لكنه يعرف كيف يوجّهها بإحكام، ويؤطّرها بانفعالات محسوبة، كي تمسّ المشاعر الحبيسة. بعد الصلاة، وعلى نسق المشاهير، راح يتصور مع المعجبين المتحلّقين من كافة المراحل العمرية.
جمع بين "حماس" والحكم الجديد في سوريا، مع أنهما ضدّان في السياسة والأيديولوجيا لا يلتقيان سوى في مواضع محدودة. أزبد وأرعد في ذمّ الزعماء الذين "جلسوا في حضرة ترامب بوجوه مسودة"، ومعهم المسلمون عامة الذين تخلّوا عن نصرة "حماس"، وإلا لكانت المعركة محسومة. ربط رجال الله في حماس بصحابة الرسول، ليبرّر بعدها شكرهم لترامب نفسه وقبولهم بفرمانه، مستخدمًا الآية الكريمة "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة". وهنا بيت القصيد.
هذه الآية لطالما جرى توظيفها في خطاب الحركات الإسلامية بشكل مبتور، يتعمّد إسقاط الجزء الأخير منها إمعانًا في تأليب الرأي العام ضد الحكومات، والطعن في مشروعيتها الإسلامية. وحينما فعلت "حماس" ما تفعله الحكومات أعيد إضافة "إلا أن تتقوا منهم تقاة"، والتي يمكن تأويلها بشكل فضفاض لتسويغ "الجمباز الأيديولوجي".
يبيّن هذا المثال الذي ينطبق على عموم حركات الإسلام السياسي، السنية والشيعية، كيفية تحويل الدين إلى سلعة سياسية يستثمر تأثيره لابتكار نوع من المقاولة الدينية التي تعزف على وتر أصيل في المخيال العربي والإسلامي في التعلّق بالخطب القوية. ولأن العرب كانوا يحبون في الخطيب أن يكون جهير الصوت وشديد التأثير في نفوس سامعيه، يسحرهم بلسانه وبيانه، احتلت الخطبة مكانة استراتيجية كأداة للتعبئة والدعاية السياسيتين.
في التاريخ المعاصر، عرف الكثير من الخطباء الماهرين في تطويع اللغة كيف يوارون مشاعر الإحباط خلف فتوحات كلامية. ويتجاوز ذلك الدائرة الدينية ليشمل سياسيين برعوا في سبك الخطب كأداة للزعامة العابرة، أمعنت في تحويل الأمة العربية والإسلامية إلى "أمة خطاب"، مثل جمال عبد الناصر الذي لجأ ذات مرة إلى منبر "الأزهر" إبان "العدوان الثلاثي". في عصر "الصحوة الإسلامية"، برز جيل من الدعاة في مخاطبة هواجس الشباب وحماستهم، من خلال استخدام مصطلحات خارجة عن الأدبيات الجامدة والهادئة للمؤسسة الدينية، وتمهيد الطريق أمام صعود نجم حركات الإسلام السياسي.
وإذا كانت صلاة الجمعة لعبت دورًا مركزيًا في انتفاضات "الربيع العربي"، فإن امتزاجها بوسائل التواصل الاجتماعي قاد إلى ظهور ما أطلق عليه علماء الاجتماع "التدين الرقمي"، حيث أفرز الفضاء الرقمي مساحة واسعة أمام حركات الإسلام السياسي لإعادة إنتاج خطاب ديني يتناسب مع أهدافها، فضلًا عن توسيع إطار القاعدة المستهدفة، فأضحت تشكل منافسًا جديًا للحكومات والمؤسسة الدينية التقليدية في تشكيل الهوية الجماعية.
هنا بالضبط برع "حزب الله"، ومثله "حماس"، وما بينهما من مساحات مشتركة خصوصًا في لبنان، في استثمار هذا الفضاء الرقمي لتضليل الرأي العام والعبث بأفكاره، من خلال استخدام الأخبار المزيفة بمهارة، وتأطيرها بغطاء ديني محكم، إلى جانب ربط الحالة التي يمثلها كل واحد منهم بمجتمع الرسول والقيم الطهرانية.
يقول عالم الاجتماع المغربي رشيد جرموني في دراسة عن التحولات الدينية عام 2021 إن "التدين الرقمي حوّل الدين إلى سوق مفتوح يتنافس فيه المؤثرون لجذب الجمهور". الخطبة المشار إليها في المقدمة كانت مصورة، وهو إجراء يتبعه فقط العاملون على التحوّل إلى مؤثر ديني على منصات التواصل، كما حال خطيبنا الذي يسعى لصياغة علامة تجارية فردية عبر خطب إشكالية، حظي بعضها بانتشار جماهيري هائل.
وهنا مكمن الخطورة، فالحرية المتوفرة للخطباء في ظل حياد المؤسسة السياسية اللبنانية دينيًا، وانسحاب دار الفتوى التقليدي من الفضاء العام، وهيمنة "الثنائي" على المؤسسة الدينية الشيعية، في موازاة اتساع الفضاء الرقمي، كل ذلك يوسّع الانجذاب نحو فرسان المنابر، ويفسح المجال أمامهم لممارسة مقاولة دينية تسهم في تعزيز الروح الانفصالية عن الكيان الوطني التي تظهر راهنًا عند الشيعة.
كلنا يقف على التأثير السلبي لظاهرة المؤثرين على منصات التواصل، وكيف يواري "حزب الله" سوءته خلف ظواهر تمعن في تتفيه الحيّز العام. هذا الوباء منتشر أيضًا عند السنة، وإن بأنماط أقل شمولية، مع نماذج مثل الشيخ حسن مرعب وغيره، تسهم في زيادة فجوة المظلومية وتقويض الإقبال على الدولة. وتوسيع هذا الإطار ليشمل القضية الفلسطينية التي تمس المعتقد الديني يمكنه أن يحد من قدرتهم على التكيف مع التحولات الحاصلة في المنطقة، ويجعلهم في موقع الخصومة، كما حصل في أحايين كثيرة وخصوصًا عند ولادة "لبنان الكبير".
وهذا ما يستلزم التركيز على صياغة سياسة جمعية تولي الأهمية المطلوبة لتأثير خطب الجمعة والمؤثرين الدينيين من أجل احتواء مثل هذه الظواهر البارعة في استغلال مفهوم "أمة الخطاب" قبل أن تتفاقم أكثر، خصوصًا مع ارتفاع بوادر إقبال الدولة على إجراء مفاوضات مع إسرائيل، فهذا ملعبهم الأثير.