في لبنان، وعلى مدى خمسةٍ وثلاثين عاماً، لم تتغيّر الطبقة السياسية بقدر ما تغيّر حجم فرقائها. حتى تاريخ 27 تشرين الثاني 2024، يوم بدأ التغيير الفعلي والجوهري في السلطة والتوجّه السياسي العام، مع انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتكليف القاضي الدولي نواف سلام تشكيل الحكومة، من خارج النادي السياسي التقليدي المقفل.
في النظام الديمقراطي المقفل، لا تسقط الأنظمة بل تتكيّف. وكلما ولدت سلطة جديدة، خرجت من رحم السلطة القديمة نفسها، وكأن النظام يتجدّد مع الحفاظ على عناصر الخبرة والأقدمية والمعرفة التي تؤمّن استمرارية الحكم، وتضمن في الوقت نفسه منع أي تغيير جذري قد يُخِلّ بالتوازن القائم.
هي قاعدة "شرّ بتعرفو أفضل من خير بتجهلو"، التي تتحكّم بإيقاع النظام وتمنع أي اهتزاز حقيقي في بنيته. فالمعارك في لبنان لا تدور بين خصوم سياسيين بالمعنى التقليدي، بل بين سلطة ظاهرة مستجدّة تحاول أن تحكم، ودولة عميقة تعرف كيف تحكم في الخفاء؛ تفسح المجال للتغيير في الشكل، وتمنع المسّ بالجوهر.
الدولة العميقة في لبنان ليست جهازاً أمنياً متماسكاً كما في الأنظمة العسكرية، ولا منظومة بيروقراطية جامدة كما في الدول السلطوية.
إنها شبكة مرنة من المصالح المتقاطعة بين المال والسياسة والأمن والعسكر والطائفة والإدارة، "مغلقة"، ومنتشرة من المرفأ إلى المصرف، ومن القضاء إلى الإعلام، ومن المدرسة الرسمية إلى مجلس الوزراء.
إنها الدولة غير المرئية التي تُسيّر المرئية، وتقرّر ما يُنفّذ وما يُعطَّل، ومن يُحاسَب ومن يُحمى.
حين تُشكَّل حكومة جديدة، يُخيَّل للبنانيين أن صفحة جديدة فُتحت. لكن في العمق، تبقى الملفات نفسها في الأدراج ذاتها، والموظف في موقعه، و”المستشار” في الظل.
كل محاولة إصلاح تصطدم بجدارٍ من المصالح المحصّنة بقوانين العرف والولاء والابتزاز المتبادل.
الدولة العميقة في لبنان تلبس طربوشاً طائفياً وبدلة نصب، تعرف كيف تغيّر خطابها حسب العهد، لكنها لا تغيّر قواعدها أبداً.
أما السلطة الظاهرة، أي تلك التي تأتي عبر الانتخابات أو التسويات، أو الضغوطات، فتملك النوايا أحيانًا، لكنها لا تملك الأدوات.
فالمفاتيح الحقيقية للقرار ليست في السراي أو بعبدا، بل في دهاليز الإدارات العامة، وفي مكاتب القضاة “العتاق”، وفي بقايا “المكتب الثاني” الذي سقط شكلياً بعد أن استنسخ نفسه في كل جهاز أمني على شكل مكتبٍ ثانٍ جديد يحرس الدولة العميقة.
إنها سلطة لا تموت، لأنها لا تُنتخَب أصلًا، بل تُورَّث وتُزرَع في كل مفصل من مفاصل الدولة، حتى صار المسّ بها يُعتبر تهديداً للسلم الأهلي الذي لا يضمنه سوى التسويات والاتفاقيات.
كل رئيس جديد يحاول أن “يحكم”، يُكتشف سريعاً أنه مجرد ضيف مؤقت في بيتٍ لا يملكه، إذا قرّر التغيير ديمقراطياً.
وكل حكومة تتعهّد الإصلاح، تجد نفسها عاجزة أمام شبكة الصفقات التي تربط الموظف بالزعيم، والمصرفي بالوزير، والأمني بالحزبي…
كل شعار “محاسبة” يتحوّل إلى تسوية، وكل تسوية تتحوّل إلى حصانة جديدة للفساد، والفاسد ذاته ولو بأسماء مختلفة.
اليوم، لبنان الذي اختار التغيير الديمقراطي، يعيش صراعاً صامتاً بين دولتين، دولة تحاول أن تولد من ركام المؤسسات المنهارة، ودولة عميقة تحرس الخراب لأنه ضمانة استمرارها.
في الظاهر، يبدو أن السلطة تتبدّل، لكن في الحقيقة، الذي يتغيّر هو فقط وجه المتحدث باسم النظام نفسه.
المؤسسات تُستعمل كواجهة شرعية لسلطة لا شرعية، والمحاسبة تتحوّل إلى أداة ابتزاز سياسي، والديمقراطية إلى مسرحٍ تتبدّل فيه الأدوار لا النصوص.
هذه الدولة العميقة هي التي أحبطت كل محاولات الإصلاح منذ الطائف حتى اليوم، هي التي أفشلت استقلال القضاء، وابتلعت القطاع العام، ووزّعت العدالة على قياس الزعامات، وأبقت اللبنانيين منشغلين بانقسامهم الطائفي كي لا ينتبهوا إلى من يسرقهم جميعًا باسم الطوائف، وهي التي لا تزال تظن أن بإمكانها احتواء أي محاولة تغيير، حتى وهي عاجزة عن تأمين كهرباء أو ليرة أو أمان، أو إعادة إعمار، أو مساواة، هي نفسها التي تضرب هيبة الدولة كما حصل في الروشة، وهي نفسها التي تعمل جاهدة لنسف العلاقات الديبلوماسية للبنان مع الدول الأخرى وخاصة سوريا بعد تسريب صور جوازات سفر الوفد الديبلوماسي السوري، هي نفسها التي تركّب الملفات وتوقف المعارضين الشيعة، ونفسها التي تحرق صور العهد على طريق المطار، وهي التي حاولت تهريب الأموال والسلاح وتسهل ما يتعلق بالحزب أو "جماعته"، وهي نفسها التي تحاول اليوم منع تعديل قانون الانتخابات وإشراك المغتربين بالانتخابات المقبلة.
لكن ما لا تدركه هذه الدولة العميقة، هو أنها باتت تعيش على هامش مجتمع لم يعد يخافها كما في السابق.
فطالما أن لا عودة إلى الوراء، ولا عودة للحاكم الخفي، فإنها ستذوب رويدًا رويدًا مع مرور الوقت وإصرار السلطة الحديثة على ممارسة الحكم فعلاً لا شكلاً.
في النهاية، كان لبنان طوال عقود تحت سلطة متجذّرة “ناخرة عظم” الدولة، كلما ولدت سلطة جديدة، ابتلعتها وضاعفت من صلابتها، والتخلّص من هذه السلطة - الحوت، أي الدولة العميقة، لا يمكن أن يكون إلا بطريقتين، إما بانقلابٍ عسكري يطيح بالديمقراطية، أو بديمقراطيةٍ “نَفَسها طويل” قادرة على التهامها من الداخل.
ورغم أن هذه السلطة استفادت مؤخراً من أن التغيير كان ديمقراطياً، لا عسكرياً، فإنها مدعوّة اليوم إلى الاستسلام، لأن لا عودة إلى الوراء، والأهم، أن هذه المرة كلّ أدوات التنفّس الطبيعيّة والاصطناعية ستتوفر للسلطة الجديدة، وبالتالي السقوط واقع لا محالة، والمسألة - مسألة وقت.