في 8 كانون الأول، حضر ضباط روس إلى قصر المهاجرين في دمشق وأبلغوا بشار الأسد، الذي كان يستعد لمؤتمر صحافي بعد ساعتين، بقرار مباشر وصادم: «غادر الآن… الطائرة بانتظارك لتنقلك إلى حميميم ثم إلى موسكو، وإلا لن نكون مسؤولين عن سلامتك». لم يُسمح له بالمساومة أو حتى التواصل مع فريقه. غادر على عجل، فيما بقي ماهر الأسد تائهًا يبحث عن ممر آمن إلى العراق أو لبنان، قبل أن يتدخل الروس ويتواصلوا مع قيادة العمليات التابعة لأحمد الشرع التي أمنت نقل ماهر إلى قاعدة حميميم. شهود عيان أكدوا هذه الوقائع، ما يعني أن سقوط الأسد لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية فقط، بل أيضًا قرارًا روسيًا واعيًا بأنه لم يعد شريكًا صالحًا.منذ تلك اللحظة، فهمت موسكو أن زمن بشار انتهى، ففتحت قنوات مع أخصامه للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. هذا يفسر لماذا لم تساعد روسيا جيش الأسد لاحقًا، ولماذا لم يتعرض الشرع للقواعد الروسية نهائيًا. العلاقات الدولية لا تُبنى على الولاء للأشخاص بل على المصالح، وروسيا تصرفت كقوة عظمى تحمي نفوذها لا كرجل خاسر. لذلك فإن زيارة الشرع إلى موسكو ليست بداية تقارب، بل تتويج لتفاهمات صيغت قبل سقوط الأسد، والحفاوة التي استُقبل بها الشرع تعكس اعترافًا روسيًا بأنه الحاكم الفعلي للمرحلة المقبلة.في زمن بشار، كانت قيمة روسيا في سوريا مرتبطة أساسًا بقواعدها في حميميم وطرطوس، آخر موطئ قدم لها على البحر المتوسط. هذه القواعد ليست مجرد مواقع عسكرية، بل بوابة نفوذ موسكو نحو الشرق الأوسط وأوروبا. ومع سقوط الأسد، شعرت روسيا أن وجودها الاستراتيجي مهدد، فانتقلت من حماية النظام إلى حماية القواعد. التحدي اليوم لم يعد إيران أو المعارضة كما في السابق، بل الصراع المتصاعد بين تركيا وإسرائيل على الأرض السورية. أي انفجار بينهما قد يحوّل سوريا إلى ساحة فوضى شاملة ويهدد مباشرة القواعد الروسية. لذلك، موسكو لا تبحث عن دور دبلوماسي، بل عن تثبيت وجودها العسكري والسياسي بأي ثمن، حتى لو عنى ذلك التخلي عن الأسد نهائيًا والاعتراف بالشرع كقوة أمر واقع.ومن هنا نفهم لماذا قبلت روسيا بصعود الشرع. فهو ليس مجرد بديل عن الأسد، بل الرجل الوحيد القادر على إنتاج استقرار داخلي حقيقي يحمي مصالح موسكو. الشرع يسيطر على الميدان ويملك شرعية القوة، وفي الوقت نفسه لم يدخل في صدام مع روسيا، ما جعل التفاهم أسهل. كما أن إسرائيل وروسيا كانتا تتحركان بصمت لتقليص النفوذ الإيراني، وموسكو تركت الأسد يسقط لأنها تعلم أن التخلص منه هو الخطوة الأولى لإخراج طهران من سوريا. أما تركيا، فقد لعبت دورًا مركزيًا في ترتيب اللقاء بين الشرع وبوتين، لأنها تعتبر الشرع حليفها الأقوى داخل سوريا، لكنها تدرك أيضًا أن روسيا تملك النفوذ على الأقليات السورية (العلويون، الدروز، المسيحيون)، ويمكنها في أي لحظة تحويلهم إلى قوة تمرد أو تهدئة. لهذا السبب، احتاجت أنقرة والشرع إلى تفاهم واضح مع موسكو لضمان استقرار العمق السوري ومنع أي مشروع تقسيم أو حرب أهلية جديدة.بهذا المعنى، زيارة الشرع إلى موسكو ليست حدثًا دبلوماسيًا عاديًا، بل هي إعلان سياسي واضح: روسيا تخلّت عن الأسد منذ لحظة سقوطه، وها هي اليوم تعود إلى سوريا من بوابة المنتصر الحقيقي. والسؤال: هل بدأ زمن الشرع رسميًا برعاية روسية - تركية… أم أن موسكو تستعد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط من دمشق مرة أخرى؟